عطوان : القبب الحديدية الاسرائيلية تصل الى منطقة الخليج بغطاء امريكي “مزور”.. ماذا يعني هذا التطور استراتيجيا؟

 إب نيوز ٢٤ يناير

عبدالباري عطوان :

القبب الحديدية الاسرائيلية تصل الى منطقة الخليج بغطاء امريكي “مزور”.. ماذا يعني هذا التطور استراتيجيا؟ وما هي المخاطر التي ستترتب عليه حاضرا ومستقبلا؟ وهل دخلت المنطقة عصر الانتداب الإسرائيلي رسميا؟ ولماذا “التكاذب” والدعوة للحوار مع ايران؟

 

عبد الباري عطوان

لم نبالغ عندما قلنا، وفي الساعات الأولى من الإعلان عن توقيع “اتفاقات ابراهام” بين دولتي الامارات والبحرين من ناحية ودولة الاحتلال الإسرائيلي من ناحية أخرى في تشرين اول (أكتوبر) الماضي ان هذه الاتفاقات تدشين لتحالف عسكري امني إسرائيلي خليجي تحت ذريعة مواجهة الخطر الإيراني المشترك، وبرعاية أمريكية مباشرة، ونحن هنا لا نتحدث عن خمور الجولان، او ليمون وثمرة الافوكادو من مستوطنات الضفة، وانما عن صواريخ وخبراء ومعدات عسكرية.

خطوات كثيرة يجري اتخاذها، الواحدة تلو الأخرى لبلورة هوية هذا التحالف الذي خرج من السر الى العلانية، وتطويره وتحديد أهدافه، كان آخرها اليوم عندما كشفت وسائل اعلام إسرائيلية عن نشر الولايات المتحدة بطاريات منظومة “القبة الحديدية” في قواعدها العسكرية في منطقة الخليج تحت ذريعة حمايتها من أي هجوم إيراني.

القواعد الامريكية موجودة في عدة دول خليجية، ومعظم هذه الدول، ان لم يكن كلها، لا تستطيع ان تتدخل في شؤون هذه القواعد، وعملياتها، وادارتها التشغيلية، وليس من حقها معرفة من يدخل اليها او من يخرج منها، ولا نستبعد، او نستغرب، ان تكون هذه القبب الإسرائيلية قد وصلت اليها فعلا وقبل اشهر، وبمعرفة الدول المضيفة، وبغطاء امريكي “شكلي” مضافا الى ذلك ان هذه القواعد التي تضم احدث المنظومات الدفاعية الصاروخية الامريكية لا تحتاج للقبب الاسرائيلية لحمايتها، فأمريكا هي الدولة الأعظم في العالم، وهذه “القبب” الإسرائيلية تأسست بتمويل وتكنولوجيا أمريكية، ولم يحدث مطلقا ومنذ الحرب العالمية الثانية قبل ثمانين عاما ان استوردت الولايات المتحدة أي أسلحة دفاعية او هجومية من أي دولة أخرى، خاصة “إسرائيل” التي تدين لها بأسباب وجودها وبقائها، وحدث العاقل بما يعقل.

***

وصول القبب الحديدية الى دول خليجية يعني وصول خبراء إسرائيليين للإشراف على تركيبها أولا، ومن ثم تشغيلها ثانيا، سواء جرى نصبها داخل القواعد الامريكية، او خارجها، فهذه مسألة هامشية، ونحن نتحدث هنا عن دول صغيرة المساحة، باستثناء المملكة العربية السعودية.

توقيت هذا الوصول وتسريب الإعلان عنه، بعد أيام معدودة من وصول إدارة الرئيس الجديد جو بايدن الى البيت الأبيض مهم، وينطوي على مؤشرات مهمة، لأنه يعني ان “الاتفاقات السرية” التي جرى التوصل اليها في هذا الخصوص، تمت في زمن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وعلى ايدي ونتيجة جهود جاريد كوشنر عراب التطبيع، والأب الروحي للعلاقات الإسرائيلية الخليجية.

وكالة “الاسوشيتد برس” الامريكية قالت في نبأ لها اليوم ان المملكة العربية السعودية أبدت اهتماما كبيرا بشراء هذه القبب الحديدية الاسرائيلية بعد الهجوم الصاروخي اليمني الذي دمر منشآت شركة “أرامكو” النفطية في منطقتي ابقيق وخريص، حيث فشلت صواريخ “باتريوت” الامريكية في اعتراضها، ولهذا ليس من المستغرب ان تكون هذه “القبب” وصلت بالفعل الى قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، وباتت جاهزة للعمل بإشراف خبراء اسرائيليين، جنبا الى جنب مع “شقيقاتها” الاخريات في قطر والامارات والبحرين.

خطورة هذه التطورات العسكرية التحالفية بين دول خليجية و”إسرائيل” تكمن في ان هذه الدول انسلخت كليا عن ارتباطاتها العربية والإسلامية، وباتت تحتمي بالمظلة الإسرائيلية الأمنية بشكل مباشر، بعد اتفاقات غير متكافئة، وتحولها الى تابع عليه ان يرضخ ويستسلم بالكامل لمطالب واملاءات السيد الاسرائيلي الأمنية والمالية دون أي نقاش.

اليوم تصل القبب الحديدية، وغدا الغواصات النووية، وبعد غد المناورات الجوية والبرية والبحرية المشتركة، وهذا التطور والتوسع للتحالف الجديد قد يجعل من هذه الدول هدفا لضربات جيرانها، وخاصة ايران، وكل حديث عن حوار بينها وبين طهران الذي تطرحه دولة قطر، ذر للرماد في العيون، فقد سبق السيف العذل، واتسع الخرق على الراقع، وستجد ايران نفسها، اذا وافقت، في حوار مع دول لا تملك قرارها السيادي المستقل، وربما سيستدعي الامر تفاوضها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي مباشرة اختصارا للوقت والجهد.

هناك امران مهمان لا يمكن اغفالهما كنتيجة حتمية لكل ما تقدم:

  • الأول: ان هذا الوجود الإسرائيلي الأمني والعسكري المتسارع في منطقة الخليج سيزيد من احتمالات الحرب وعدم الاستقرار، وليس العكس، لأنه سيجعل من دولها أرضية، وميدانا لاي صراع إيراني من ناحية، وإسرائيل وامريكا من ناحية أخرى، وفي حال فشل أي مفاوضات قادمة حول العودة الى الاتفاق النووي، واحتمالات الفشل اكبر بكثير من احتمالات النجاح.

  • الثاني: ان هذا “التغول” الخليجي المتسارع في التحالف مع “إسرائيل” والانسلاخ كليا عن منظومة الامن العربي، سيزعج دولا مركزية عربية وإسلامية رئيسية على المديين المتوسط والبعيد، مثل مصر وسورية والجزائر والعراق، والمعلومات المتوفرة لدينا تؤكد بأن المؤسسة العسكرية المصرية في قمة الغضب من هذا التغول، وان العلاقات المصرية من ناحية والامارات والبحرين والسعودية في الناحية المقابلة “متأزمة” لان هذه الدول تجاوزت كل الخطوط الحمر، واستغلت حالة الضعف الاقتصادي المصرية للذهاب بعيدا في تحالفها مع “إسرائيل”، العدو الاستراتيجي لمصر.

***

ختاما “نذّكر” هذه الدول الخليجية، لأنه لم يعد للتحذير أي فائدة، ان القبب الحديدية الإسرائيلية لم، ولن، تحمي تل ابيب والمستوطنات الإسرائيلية من الصواريخ القادمة من قطاع غزة وجنوب لبنان، ولن تكون الحرب القادمة من اتجاه واحد وبالتالي لن تحميها من شقيقاتها الصاروخية القادمة من اليمن والعراق وايران المحيطة بها، لان هذه الصواريخ باتت اكثر دقة وفاعلية، وتزداد تطورا، ولعل ما حدث في ابقيق وخريص وينبع، وأخيرا في جدة بعض الأمثلة الدروس.

زمن ترامب وكوشنر وبومبيو انتهى ولن يعود، وحالة الهوان العربية الحالية تقترب من نهايتها، وزمن التفوق العسكري الإسرائيلي يتآكل ويدخل مرحلة الهرم، والنظام العالمي الامريكي الأوروبي على حافة لفظ أنفاسه الأخيرة في ظل صعود قوى عظمى منافسة، اما سيادة “العصر النفطي” الذي حكم المنطقة طوال نصف القرن الماضي، وتحكم بمقدساتها العربية، فنهايته الوشيكة مكتوبة على حائط صندوق النقد الدولي.. والايام بيننا.

You might also like