تمثال الرجل المفكر

 

إب نيوز ٢٢ محرم

عبدالملك سام

المطر ينهمر بغزارة، وفي رأسي تنهمر الأفكار والهموم بغزرة أيضا.. وأفكر بشجن بتلك الأيام التي كنت فيها خلي البال؟! كنت وحيدا، ولكني لم أكن أعي أي نعمة كنت أحياها، أيام كنت ملكا في جمهوريتي، وموازنتي كلها كانت مخصصة لإحتياجاتي الشخصية فقط، ملابس أو عطور، أو وجبة في مطعم، ثم تعود البيت برأس فارغ وأقدام متورمة من كثرة المشي.

اليوم أجلس ورأسي متورم من كثرة التفكير، وأقدامي متورمة أيضا من كثرة السعي، وكل شيء يذكرك بأنك مفلس أو أنك ستفلس قريبا؛ فأنت مشغول طوال أربع وعشرين ساعة بأسعار الأكل وإيجار المسكن ورسوم المدارس وفواتير الكهرباء والماء وتكلفة الغاز والوقود ومصاريف الأولاد وطلبات البيت وقسط التأمين الصحي الغير صحي …الخ! وتترقب فقط أن ترى لوحة مكتوب عليها “يا من تدخلون هنا دعوا خلفكم كل رجاء” كما تخيل (دانتي) أنه مكتوب على أبواب الجحيم! فكل شيء في حياتك يرتفع إلا دخلك الذي يتقلص أكثر فأكثر، وفعلا تدرك في النهاية أنه لولا لطف الله بنا لكانت الحياة مستحيلة.

هناك لمحت فوق الجسر وجها يحمل ملامح غريبة، لقد كان لرجل في العقد الرابع تقريبا، وكانت ملامحه تشبه تمثال جاء من أرض الأساطير.. وجه قد من صخر، ونظراته العميقة تلك تجعلك تفكر بأنك أمام فيلسوف أسطوري كأفلاطون، او كاتب عبقري كتشيخوف او كفكا، فلابد أنهم كانوا يحملون ذات النظرة المتأملة.. ربما لو أتيحت لهذا الرجل الفرصة لكان شاعرا وأهدانا كتابات خالدة كرباعيات الخيام، أو ربما ملاحم أسطورية كالألياذة! المهم أن نظراته لم تكن عادية بأي حال، وكأنما نحن أمام شيخ صوفي في أعظم تجلياته التي تسبر أغوار الوجود!

لخمس دقائق كاملة، ظلت ملامح الرجل على تلك الصورة الفريدة، وكم تمنيت أن أسأله عما يجول بخاطره لعلي أستأنس بفكره ويهب لي فلسفة تساعدني على حل مشاكل الحياة! وبعد تردد عزمت أن أصعد الدرج وأبحث عن أي عذر لتبادل أطراف الحديث معه، فربما أستطعت أن أقنعه أن يستمع لمشاكلي وما ينغص علي عيشي، وقد يكون لقائي به سببا لهدوء روحي المضطربه، وعزمت أن أتحرك!

فجأة تحرك الرجل ليحبط مخططي، وإذا به يأتي بحركة أسقطت علي كأنها نيزك ساقط! لقد تحرك ليغلق سحاب سرواله! فقد كان يتبول بهدوء قرب سور الجسر الذي كان يداري فعلته الشنيعة! ثم تغيرت ملامح وجهه لتعتليه سيماء البلاهة مثلي ومثل باقي المحبطين، ثم تلفت ليتأكد أن العملية تمت دون أن يلاحظه أحد، وأنطلق بعدها بمرح يحسده عليه أي جحش بعد قضاء حاجته! لقد صدمني الموقف لأني تأكدت بأني سأظل ذلك الغر عديم الفهم قليل الحظ.. معنى هذا أننا عندما نعبر بين السيول المتدفقة فنحن إنما  نسبح في بحور من القذارة والفضلات!! يااااااع..

*وقفة للتأمل.. لعلنا الشعب الوحيد الذي يقضي حاجته في أي مكان، إلا في الحمام! لذلك نجد أن براميل القمامة فارغة، وحولها أكوام القمامة ملقاة بإهمال! ربما نحمل في جيناتنا حولا أو حماقة ولا مبالاة؟ او قد يكون السبب كما قرأت ذات مرة في أننا (العرب) لا نعتبر الشوارع ملكنا؛ لذلك فشوارعنا أقذر الشوارع في العالم! وإلا قولوا لي لماذا اليمني في الخارج يحترم القوانين ويتصرف بتحضر، ولكنه عندما يعود إلى بلده ينطلق ليعيث فسادا؟! لو كنا مسلمين فعلا فهل كان هذا سيصبح حالنا؟!

You might also like