عبدالباري عطوان : هل الحرب بين ايران وإسرائيل باتت وشيكة؟ وكيف ستكون.

إب نيوز ١٢ فبراير

عبدالباري عطوان.
هل الحرب بين ايران وإسرائيل باتت وشيكة؟ وكيف ستكون.. مباشرة ام بالإنابة على الارض السورية واللبنانية؟ ولماذا نعتقد ان اسقاط الطائرة “اف 16” مجرد قمة جبل الجليد الذي يخفي مفاجآت قادمة؟ وكيف سيكون “المفجر”؟

العناوين الأبرز لمعظم الصحف ونشرات الاخبار في محطات التلفزة الإسرائيلية في اليومين الماضيين، تؤكد ان المواجهة الكبرى مع ايران باتت مسألة وقت، لان إسرائيل لن تقبل بوجود قواعد إيرانية على حدودها، وذهب يؤاف غالانت، وزير البناء والإسكان الإسرائيلي، الى درجة المطالبة “بتفكيك مثلث الشر المكون من ايران وسورية وحزب الله”.
هذه العناوين لا تعكس شعورا بالقوة، بقدر ما تعكس حالة من القلق والرعب دخلت مرحلة الهيستيريا، وكل هذا بسبب تسلل طائرة بدون طيار “درونز” الى أجواء الجليل الأعلى المحتل، واسقاط طائرة تعتبر الأكثر تقدما في الترسانة العسكرية الإسرائيلية بصاروخ سوري قديم انتهى عمره الافتراضي، واصبح خارج الخدمة عمليا منذ السبعينات.
اسقاط طائرة “اف 16” الإسرائيلية في نسختها المعدلة والمتطورة تكنولوجيا وعملياتيا، نقطة تحول عسكري رئيسية تذكرنا بإسقاط صاروخ سوفييتي ارض جو من طراز “S_75” لطائرة تجسس أمريكية من نوع “VZ” في الأجواء السوفييتية في أيار (مايو) عام 1960 في ذروة الحرب الباردة بين القوتين العظميين، وفي زمن اقوى زعيمين فيهما، دوايت ايزنهاور (أمريكا)، ونيكيتا برجنيف (الاتحاد السوفييتي).اسقاط طائرة التجسس الامريكية المتطورة والاستيلاء على أجهزتها كان ضربة قوية لامريكا كلفتها عشرات المليارات من الدولارات في حينها، لاضطرارها الى بناء طائرات تجسس جديدة بأجهزة جديدة لا يعرف السوفييت اسرارها.
هذه هي ثالث طائرة من طراز “اف 16” تسقط في الأجواء العربية، الاولى مغربية في أجواء اليمن اسقطها الحوثيون، والثانية اردنية كان يقودها معاذ الكساسبة، واسقطها مقاتلو “الدولة الإسلامية” في أجواء العراق، اما الثالثة والاهم فهي الإسرائيلية بصاروخ سوري.
***
الطائرتان المغربية والاردنية من النوع القديم الذي خرج من الخدمة، على عكس الطائرة الإسرائيلية الحديثة والمتطورة، ولهذا فإن قيمة هذه الطائرة وسمعتها في الأسواق العالمية العسكرية قد تنهار تماما، مثلما نجحت صواريخ “حزب الله” في تدمير سمعة دبابة “الميركافا” التي نافست نظيراتها الألمانية (ليوبارد) والأمريكية (ابرامز)، ودفعت دولة مثل الهند للتقدم بشراء صفقة كبرى من نوعها (ميركافا) بحوالي ملياري دولار، كمؤشر على تدهور سمعتها وجاهزيتها.
ايران لن تنسحب من سورية، لانها لم تأت اليها غازية، بل بدعوة من حكومتها، حاربت على ارضها ما يقرب من الست سنوات، قدمت خلالها تضحيات بشرية ومادية ضخمة، ولعبت دورا كبيرا في بقاء الدولة السورية ورئيسها، في مواجهة مؤامرة أمريكية وإقليمية غير مسبوقة، والشيء نفسه فعله “حزب الله” اللبناني ذراع المقاومة العسكري الضارب في لبنان والمنطقة، ومطالبة وزير إسرائيلي بتفكيك هذا “المثلث” وإعادة ايران وقواتها الى داخل حدودها، تعكس سذاجة سياسية ووقاحة فجة في الوقت نفسه.
حتى لو افترضنا نظريا، وسايرنا التهديدات الإسرائيلية التي وردت على السنة الجنرالات وكبار السياسيين في تل ابيب، وسلمنا بأن احتمالات الحرب بين ايران وإسرائيل باتت مسألة وقت، فأين سيكون ميدانها؟
هناك احتمالان في هذا الصدد يجب اخذهما في عين الاعتبار:
الأول: ان تقوم إسرائيل بإرسال طائراتها لقصف ايران ومصالحها الحيوية، ومحطاتها النووية، وبناها التحتية الاقتصادية والعسكرية في عدوان مباشر.
الثاني: ان تكون هذه الحرب بالإنابة على الأراضي السورية واللبنانية.
الاحتمال الأول ضعيف لان ايران تبعد عن فلسطين المحتلة بأكثر من الفي ميل تقريبا، وهي بمثابة شبه قارة، ولو تملك القيادة الإسرائيلية أي امل ولو بسيط في النجاح، وهي التي هددت بقصف ايران وتدمير منشآتها النووية طوال السنوات الثمانية الماضية، لفعلت ذلك دون تردد، ومن هنا فإن الاحتمال الثاني هو الأكثر ترجيحا ولكن هناك مخاطر جمة.
اول هذه المخاطر الوجود الروسي والسياسي والعسكري القوي، ولا نعتقد ان الرئيس فلاديمير بوتين سيسمح لإسرائيل بتدمير ابرز إنجازاته الاستراتيجية في سورية، وثانيها ان هناك مئات آلاف من الصواريخ ستضرب العمق الإسرائيلي وتدمير المدن الرئيسية فيه، فاذا كانت طائرة إيرانية مفترضة بدون طيار (درون) قيمتها 350 دولارا اخترقت الحدود وادت الى اغلاق مطار بن غوريون لعدة ساعات، وفتحت الملاجيء في حيفا وتل ابيب، واسقاط طائرة إسرائيلية في مصيدة جرى نصبها بإحكام، فكيف سيكون الحال عندما تهطل هذه الصواريخ العربية والإسلامية مثل المطر من لبنان وسورية وايران وقطاع غزة؟ وثالثها عودة الجيش العربي السوري الذي اكتسب خبرة قتالية عالية، وجرى تطوير قدراته العسكرية والتقنية وباتت جاهزيته للحرب اقوى من أي وقت مضى؟
ايران ليست بحاجة الى بناء قواعد بحرية او جوية في سورية، فكل الأراضي السورية مفتوحة لها، مثلما هي مفتوحة لمقاتليها وفصائلها المسلحة الذين جاءوا من باكستان وأفغانستان ومستعدون للقتال حتى الشهادة في أي حرب تخوضها، خاصة اذا كانت ضد إسرائيل التي تحتل القدس والمسجد الأقصى.
مفاجآة اسقاط الطائرة الإسرائيلية بصاروخ قديم قد تكون قمة جبل الثلج التي تخفي مفاجآت أخرى اكثر خطورة وفاعلية عسكريا، ولا نستبعد ان يكون هذا الصاروخ (اس 200) جرى تطويره وتحديثه من قبل الخبراء السوريين والإيرانيين واللبنانيين لإيصال رسالة لإسرائيل تقول (ما خفي كان اعظم)، واياكم ان تختبروننا فقد نعيكم الى العصر الحجري.
***
إسرائيل ربما تملك ترسانة عسكرية قوية ولكنها لا تستطيع تدمير ايران التي تفوقها حجما بأكثر من خمسين مرة، ولكن ايران وحلفاءها يستطيعون تدمير إسرائيل، وبأسلحة تقليدية فقط، فزمن التفوق الجوي الإسرائيلي الذي كان يحسم الحروب ضد العرب قد ولى، وبات العنوان الأبرز للفوز في الحروب، او تجنب الهزيمة، فيها هو الصمود، واطالة امدها، والحلف السوري الإيراني اللبناني الفلسطيني (المقاوم) لم يصرخ أولا، وفي كل حروبه السابقة، ولن يصرخ أولا في الحروب القادمة التي بات اكثر استعدادا لها نفسيا وعسكريا.
اخطر ما في “انجاز” اسقاط الطائرة ان إسرائيل فقدت هيبتها العسكرية، او جزء كبير منها، واعادة الثقة الى الشارع العربي، والقوة الى محور المقاومة، وتغييره لمعادلات القوة والردع في السماء وعلى الأرض معا، وكل هذه التهديدات والاحاديث الاسرائيلية عن إصابة 12 هدفا سوريا وايرانيا في سورية، والتي رددها بعض العرب للأسف، هو لطمأنة الرأي العام الإسرائيلي، ورفع معنوياته المنهارة، ومحاولة التخفيف من حدة الوجع.
الحرب في حال اشتعالها بين محور المقاومة، ولا نقول ايران وحدها، ودولة الاحتلال الإسرائيلي ستكون إسرائيل هي الاختبار الحقيقي والأخير لها، أي إسرائيل، ولا نعتقد انها ستجتازه بنجاح هذه المرة، اما ايران وسورية ولبنان وفلسطين فهي باقية ومغروسة جذورها في الأرض ومنذ آلاف السنين، ولهذا تحتمل “اختبارات” أخرى.. والأيام بيننا.

You might also like