عبد الباري عطوان : خمسة أسئلة تنتظر إجابات شفافة تتعلق بقضية اختفاء الخاشقجي أو مقتله؟

إب نيوز 9 أكتوبر

عبد الباري عطوان:
خمسة أسئلة تنتظر إجابات شفافة تتعلق بقضية اختفاء الخاشقجي او مقتله؟ وماذا نتوقع ان يجد المحققون الاتراك داخل القنصلية التركية بعد السماح لهم بدخولها؟

من المؤلم ان قضية اختفاء الزميل جمال خاشقجي الصحافي السعودي المعروف، تزداد فصولها غموضا يوما بعد يوم، بسبب تناقض المعلومات، وغياب الأدلة الدامغة، وتتحول الى “رواية بوليسية” على طريقة روايات الكاتبة الشهيرة اغاثا كريستي، وربما هذا ما ارادته الجهة التي تقف خلف عملية هذا الاختفاء، سواء كانت السعودية التي انكرت كل الاتهامات الموجهة اليها في هذا الإطار، او جهات أخرى ما زالت غير معروفة.
بداية لا بد من التأكيد بأن السيد خاشقجي الحق بمواقفه الانتقادية لملف حكومة بلاده في قضايا حقوق الانسان، واضطهادها للمعارضين وملاحقتهم بالخطف اضرارا كبيرة جدا بحكم شهرته العربية والعالمية، سواء كانوا من الاسرة الحاكمة او من خارجها، واعتراف الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، انه جرى اعتقال حوالي 1500 سعوديا يقبعون حاليا خلف القضبان في حديثه الذي ادلى به الى وكالة “بلومبرغ” الامريكية ونشرته قبل أيام، مما يجعلها، اي السعودية، المتهم الأول في عملية اختفائه او اختطافه، الامر الذي سيؤدي الى فتح ملفات هؤلاء، ويزيد من الاهتمام الدولي بقضاياهم، وبما يتناقض مع حملة العلاقات العامة التي كلفت مئات الملايين من الدولارات لإظهار المملكة كدولة إصلاحية.

السلطات التركية التي اكدت في روايات متعددة على لسان العديد من المسؤولين فيها ان السيد خاشقجي لم يغادر القنصلية السعودية التي دخلها في الساعة الواحدة من بعد ظهر الثلاثاء الماضي، ثم سربت مصادر تابعة لها رواية نشرتها صحيفة “الواشنطن بوست” اليوم تقول انه جرى قتله وتقطيعه داخل القنصلية وتم وضعه في صناديق نقلتها سيارات دبلوماسية سوداء مظللة الى جهة مجهولة، دون استبعاد ان يكون مطار إسطنبول الدولي، وعززت الصحيفة الامريكية التي كان الخاشقجي احد كتاب الرأي فيها، روايتها هذه بنشر صورة له وهو داخل الى مبنى قنصلية بلاده.

***
الخارجية التركية، أعلنت في بيان رسمي على لسان متحدث باسمها ان السلطات السعودية سمحت بتفتيش مبنى قنصليتها التي قيل ان خاشقجي جرى احتجازه وربما تقطيعه فيها، بينما قال الأمير خالد بن سلمان نجل العاهل السعودي وسفير بلاده في واشنطن ان كل التقارير حول اختفاء او قتل الخاشقجي “زائفة”، وان التحقيقات ستكشف الكثير من الوقائع والمفاجآت، واكد ان السيد الخاشقجي كان “صديقه” رغم اختلاف وجهات النظر، والتقاه اكثر من مرة داخل السفارة وخارجها، وظل على تواصل معه عندما كان في واشنطن.
الرئيس رجب طيب اردوغان زاد الوضع غموضا عندما اتخذ موقفا “متحفظا” في هذا المضمار وقال انه ينتظر نتائج التحقيقات، وطالب السلطات السعودية “اثبات” ان الخاشقجي غادر القنصلية فعلا بالوقائع والأدلة.
لا نعتقد ان السلطات السعودية كانت ستسمح لرجال الامن الاتراك بدخول القنصلية لو ان السيد خاشقجي ما زال موجودا، او انه جرى قتله وتقطيعه قبل نقل جثمانه، او اذا كان جرى ذلك فعلا، ولكن من غير المستبعد ان يجد المحققون بعض الأدلة المفيدة بشكل او بأخر حتى لو جرى إخفاء الكثير من الآثار اذا كانت الروايات صحيحة.
هناك عدة أسئلة تحتاج الى إيجابيات واضحة من وجهة نظرنا، وجميعها حول نقاط وردت في تقارير إعلامية منسوبة الى مسؤولين اتراك داخل السلطة:
ـ الأولى: لماذا جرى إعطاء جميع الموظفين المحليين العاملين في بيت القنصل السعودي إجازة لمدة “يوم واحد” وبشكل مفاجيء، أي يوم اختفاء الخاشقجي، حسب ما ذكرت صحيفة الصباح التركية المقربة من اردوغان اليوم، وماذا عن الموظفين الاتراك المحليين في القنصلية هل جرى اعطائهم اجازه أيضا؟
ـ الثاني: الصحيفة نفسها تحدثت للمرة الأولى عن نظرية جديدة نقول ان السيد الخاشقجي ربما لم يقتل وقد يكون جرى نقله “حيا” في سيارات مظللة غادرت من بوابة خلفية للقنصلية الى مطار إسطنبول في صحبة وفد رجال الامن المكون من 15 شخصا الذي وصل الى القنصلية صباح يوم “الاختفاء”، حيث كانت هناك طائرتان خاصتان في انتظارهما، الأولى توجهت الى القاهرة، والثانية الى دبي.
ـ الثالث: الصور التي نشرتها صحيفة “الواشنطن بوست” للفريق الأمني المذكور الذي حجز غرفا في فندق قرب القنصلية، ولم يقم أي من أعضائه فيها، وكانت وجوههم واضحة فيها، فهل سيتم التحقيق مع هؤلاء من قبل المحققين الاتراك عن دورهم ومهمتهم وأسباب مغادرتهم السريعة لاسطنبول؟
ـ الرابع: اذا كانت الطائرة الأولى حطت في مطار القاهرة والأخرى في دبي، فأين جرى انزال السيد الخاشقجي اذا كان نقل على متن احداها حيا او ميتا؟ وهل سيتم التحقيق مع سلطتي المطارين؟ ولماذا لم تطير الى الرياض مباشرة.
ـ الخامس: السلطات التركية استدعت السفير السعودي في انقرة مرتين منذ اختفاء “الضحية”، ولم نسمع مطلقا عن استدعاء القنصل او الدبلوماسيين الآخرين في قنصلية إسطنبول، السؤال لماذا لم يتم طرد هؤلاء وحتى قبل بدء التحقيقات طالما ان هذ السلطات متأكدة ان السيد خاشقجي جرى قتله في السفارة حسب البيانات الأولية، على غرار ما فعلت بريطانيا عندما أبعدت 25 دبلوماسيا من السفارة الروسية في لندن اثر اتهام موسكو بالوقوف خلف محاولة اغتيال الجاسوس الروسي سيرغي سكريبال وابنته بأسلحة كيماوية؟
***
جميع هذه الأسئلة تحتاج الى إجابات من الأطراف المعنية، والسعودية والتركية على وجه الخصوص، فالسيد خاشقجي تعرض الى جريمة خطف، وربما قتل، ومن حق الرأي العام العالمي الذي بات قلقا من هذه التطورات ان يعرف، واذا تأكد انه أُحتجز، او قتل داخل القنصلية على ايدي رجال امن سعوديين، فلا بد من محاسبة جميع المسؤولين من القمة الى القاعدة.
رفضنا منذ البداية تبني أي من التكهنات المتضاربة حول هذه “الجريمة”، انتظارا لمعرفة الحقائق والاطلاع على الأدلة، واشرنا الى العديد من المعلومات التي ثبت صحتها مثل لقاءات السيد خاشقجي مع السفير السعودي في واشنطن، وشرائه شقة في إسطنبول جرى تأثيثها لتكون عش الزوجية من خطيبته “المفترضة” خديجة جنكيز، ورغبته في الاستقرار بصورة نهائية في إسطنبول.
اليوم وصلتنا رسالة اليكترونية لا نتبناها ولا نعرف مدى صحتها، وقال مرسلها الذي لم يذكر اسمه، ان السيد خاشقجي ما زال على قيد الحياة حتى الساعة، وانه تم اعتقاله عندما زار القنصلية السعودية، واختطافه في سيارة سوداء من قبل الضباط السعوديين الذين قدموا خصيصا لاختطافه، وتم ترحيله الى شاحنة تحتوي حاوية مجهزة اتجهت الى الميناء، وتم وضعها في باخرة تركية لتصل الى فندق “اجنحة الجوري” الواقع في مدينة الخفجي السعودية، وتم استنطاقه بوسائل الضغط النفسي، ولكن لم يتم تعذيبه حتى لا تظهر عليه الآثار بعد اطلاق سراحه، ثم جرى نقله الى معتقل سري، وان الملك سلمان وولي عهد على علم بالعملية.
قضية اختفاء الخاشقجي لا يجب ان تختفي من دائرة الاهتمام والمتابعة بمرور الزمن، ولا بد من معرفة التفاصيل الكاملة، والجهة التي وقفت خلف اختطافه، او اختفائه، ولذلك لا بد من لجنة تحقيق دولية تضم خبراء من مختلف انحاء العالم لتولي هذه المهمة تشارك فيها تركيا والسعودية أيضا، في إطار الشفافية.. وحتى تتضح النتائج، سواء من خلال التحقيقات التي تجريها تركيا، او اللجنة الدولية المقترحة يظل لكل حادث حديث، صحيح ان السيد خاشقجي ليس رئيسا للوزراء، ولا رجل اعمال ثري مثل الراحل رفيق الحريري، ولكن جريمة اختطافه او قتله، لا سمح الله، لا يجب التقليل من أهميتها، فالعدالة يجب ان لا تفرق بين كبير وصغير، ومهم ومن هو أقل أهمية.

You might also like