الدخول إلى صنعاء مقابل الحصار بالحصار
إب نيوز 14 أكتوبر
ناصر قنديل
منذ قصف مطار صنعاء في 13 تموز، تتطور المواجهة اليمنية بين مشروعين مختلفين، مشروع سعودي تتبناه حكومة عدن عنوانه الدخول إلى صنعاء، ومشروع تتبناه حكومة صنعاء عنوانه الحصار بالحصار. ولكشف حساب هذه المواجهة، يجب قياس المكاسب والخسائر بمدى اقتراب كل طرف من هدفه. فصنعاء لم تجعل إسقاط حكومة عدن شرطاً لوقف النار؛ طرحت تحميل السعودية كلفة استمرار إغلاق المنافذ اليمنية، وصولاً إلى رفع الحصار. أما خصومها فربطوا الحرب بتغيير السلطة في العاصمة، وهو هدف يحتاج إلى حسم بري لا تعوّض عنه كثافة الغارات.
جاء الرد الأول على قصف المطار في اليوم نفسه، بإعلان استهداف مطار أبها بالصواريخ والمسيّرات، وتحذير شركات الطيران من عبور الأجواء السعودية. كانت الرسالة أن تعطيل منفذ صنعاء سيقابله تهديد للمنافذ السعودية. انتقلت الرياض بذلك من موقع الطرف القادر على فرض قيود على حركة خصمه، إلى طرف مضطر لتخصيص موارد لحماية مطاراته وحركة الطيران فوق أراضيه. ولم تعد قدرة الطائرات السعودية على الوصول إلى صنعاء وحدها معيار التفوق؛ دخلت قدرة صنعاء على الوصول إلى العمق السعودي في الحساب.
وفي 20 تموز، أُعلن الحصار البحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وباب المندب. توسّع الرد من المطارات إلى الطرق التي تصل الاقتصاد السعودي بالأسواق العالمية. ومعادلة «الحصار بالحصار» هنا لا تحتاج إلى تماثل في حجم القوتين، بل إلى امتلاك صنعاء وسائل تعطيل مصالح يحتاج خصمها إلى انتظامها. ويبقى قياس فاعلية الحصار مرتبطاً بحركة السفن والتأمين والتسليم، لا بالإعلان العسكري وحده؛ لكن الإعلان حدّد منذ البداية طبيعة الغاية التي ستخدمها العمليات اللاحقة.
خلال آب، تعرض ميناء المخا لهجمات متكررة بالصواريخ والمسيّرات، طالت أرصفته وسفنه ومرافقه، وتوقفت بعض خطوط الشحن. ثم انتقلت المواجهة في أيلول إلى تغيير الخريطة البرية. في العاشر منه دخلت قوات صنعاء المخا، بعد خسارة القوات الحكومية مواقع في حيس والخوخة. وفي الحادي عشر، نقلت رويترز عن مصادر في الحكومة اليمنية سيطرة أنصار الله على ذوباب وانسحاب القوات الحكومية من جزيرة ميون، ووصول قوات صنعاء إليها. بذلك امتد التقدم إلى المواقع التي تمنح نفوذاً مباشراً على باب المندب.
هذه المكاسب تُحسب لصنعاء بمقدار خدمتها للحصار المضاد، توسيع الانتشار الساحلي، وتعزيز مراقبة الممرات البحرية وتهديدها، وزيادة صعوبة تأمين الملاحة بالقوة وحدها. والخسائر نفسها تُحسب على حكومة عدن بمقدار ما أضعفته من قواعد انطلاق وإمداد كان يفترض أن تخدم الهجوم نحو صنعاء. فالقوات التي خسرت المخا ثم ذوباب أصبحت تحتاج إلى استرجاع مواقعها وحماية خطوطها قبل البحث في التقدم نحو العاصمة. وهكذا تحوّلت الجغرافيا التي كان يُراهن عليها من الرياض وعدن للحسم إلى جغرافيا تقوّي أداة ضغط صنعاء.
في الخامس من تشرين الأول، أعلن رشاد العليمي عملية «فجر اليمن» تحت عنوان تحرير صنعاء. ونقلت رويترز إعلان الحكومة عن استعادة المخا وذوباب وباب المندب، ثم الاكتفاء بالإعلان عن تقدم لاستعادة الساحل المحيط بباب المندب باتجاه المخا، فيما ظهرت لاحقاً بيانات عن استعادة مواقع في ذوباب وحيفان. تُقاس هذه الإعلانات بثبات السيطرة والقدرة على تحجيم الحصار، ثم بفتح طريق فعلي نحو صنعاء. فاسترجاع أرض خُسرت قبل أسابيع لا يزال موضع شكوك كثيرة، لكنه ايضا يؤكد الفشل في تحقيق الهدف الذي حملته العملية، خصوصاً مع استمرار القتال وتضارب روايات السيطرة.
بالتوازي، استمرت الهجمات على المطارات السعودية، وتجدد قصف المنشآت في مناطق صنعاء. لا تستقيم قراءة هذه المواجهة كاستنزاف متماثل يُقاس بعدد الضربات، فمقابل اليمن الذي يتلقى التدمير منذ أحد عشر عاماً، تدافع السعودية عن اقتصاد واسع يتطلب انتظام النقل والطاقة والاستثمار. وتعطيل مطار أو تهديد منشأة فيها يحمّلها، إلى جانب الضرر المباشر، كلفة حماية وتأمين واضطراب وثقة. استمرار الرد اليمني يعني أن القصف السعودي لم ينهِ الأداة التي أُريد إسكاتها.
الأثقل استراتيجياً هو موقع النفط والمصافي السعودية في الاقتصاد العالمي. فتهديد منافذ التصدير ينعكس على مخاطر الشحن وتوقيت وصول الإمدادات، واستهداف المصافي يمكن أن يضغط على توافر المشتقات، خصوصاً الديزل. طالما أن توافر الخام لا يحل تلقائياً مشكلة التكرير والنقل والتسليم. لذلك يصبح استمرار المواجهة عبئاً على الدول المستوردة أيضاً، وتتسع مصلحتها في تسوية تؤمّن الإمدادات. ومن هذه الزاوية تُقرأ تجربة الضغط التي دفعت واشنطن نحو توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، حيث تعذّر الحسم، مقترناً بكلفة اضطراب الطاقة، يجعل التفاوض خياراً تفرضه المصالح.
كل يوم يمرّ مع بقاء الاستعصاء يزيد عبء شعار الدخول إلى صنعاء، تتراكم الكلفة ويتأخر الإنجاز. وفي المقابل، يمنح استمرار أدوات الحصار المضاد صنعاء قوة تفاوضية، ما دامت قادرة على استخدامها وتحمل كلفة المواجهة. وإذا انتهى المسار إلى رفع الحصار مقابل وقف النار، تختلف الحصيلة جذرياً بين الطرفين، يسقط مشروع تغيير السلطة في صنعاء بالضربة القاضية، بينما يحقق «الحصار بالحصار» غايته ويفوز بالنقاط. هنا تكون جائزة الجغرافيا والصواريخ والمسيّرات هي التفاوض الذي ينهي الحصار، وتصبح التسوية نفسها الوثيقة الأوضح لكشف حساب الحرب.