الأكاديميون اليمنيون.. صوت الحقيقة في مواجهة التضليل الإعلامي

إب نيوز 20 أكتوبر

بقلم: محمد صالح حاتم

لا يكفي أن نمتلك الحقيقة، بل يجب أن نوصلها إلى العالم بالحجة والدليل، وأن نواجه حملات التضليل بخطاب علمي رصين يكشف ما يتعرض له الشعب اليمني من عدوان وحصار ومعاناة إنسانية.

يُعد اللقاء التشاوري الموسع الذي عُقد في العاصمة صنعاء، برئاسة وكيل قطاع التعليم العالي الدكتور إبراهيم لقمان، لحشد الجهود الأكاديمية وتوضيح حقيقة مظلومية اليمن ومواجهة التضليل والحرب الإعلامية، خطوة مهمة طال انتظارها، وكان ينبغي أن تتحول إلى عمل مؤسسي منظم منذ وقت مبكر. وها هي اليوم تأتي لتفتح المجال أمام الأكاديميين اليمنيين للقيام بدورهم الوطني والعلمي في إيصال صوت اليمن إلى الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العربية والدولية، وكشف الحقيقة ودحض الافتراءات والمعلومات المغلوطة.

إن أهمية هذه الخطوة تنبع من طبيعة المعركة التي يخوضها اليمن، فهي لا تقتصر على المواجهة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وإنما تمتد إلى ميدان الإعلام والرأي العام، حيث تتنافس الروايات، وتُقدَّم المعلومات، وتُصاغ المواقف تجاه الحرب والعدوان على اليمن. وفي ظل هذه المعركة، يصبح للأكاديميين دور لا يقل أهمية عن أدوار المؤسسات السياسية والإعلامية، لما يمتلكونه من معرفة علمية وخبرة بحثية وقدرة على تحليل الأحداث وتفنيد الادعاءات بالأدلة والبراهين.

لقد تابعنا خلال سنوات العدوان والحصار ظهور أكاديميين وكتاب ومحللين عرب على القنوات الفضائية، يتحدثون عن اليمن وأزمته، ويقدم بعضهم معلومات مغلوطة أو تصورات غير دقيقة عن طبيعة ما يجري، فيما يذهب آخرون إلى تبرير العدوان والحصار أو تجاهل آثارهما الإنسانية، دون الاستناد إلى مصادر موثوقة أو الاستماع إلى الرواية اليمنية. وفي المقابل، ظل حضور الأكاديميين اليمنيين في كثير من المنابر العربية والدولية محدودًا، إن لم يكن غائبًا، وهو ما أتاح المجال لانتشار روايات أحادية عن اليمن ومظلوميته، وتقديمه على أنه المعتدي.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإصدار البيانات أو عقد اللقاءات والندوات داخل اليمن، وإنما الانتقال إلى عمل أكاديمي وإعلامي منظم يصل إلى الخارج، ويخاطب الرأي العام العربي والإسلامي والدولي بلغة يفهمها، وبأدلة يصعب تجاهلها، لكشف التضليل وتفنيد السرديات المغلوطة.

ويأتي في مقدمة هذه الخطوات تعزيز التواصل مع الجامعات ومراكز الأبحاث الخارجية، من خلال تفعيل علاقات الجامعات اليمنية مع نظيراتها في الدول العربية والإسلامية والدولية، ومبادرة الأكاديميين اليمنيين إلى التواصل مع زملائهم في الجامعات ومراكز الأبحاث، وتبادل الدراسات والوثائق والمعلومات المتعلقة بالعدوان والحصار وآثارهما الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتوضيح حقيقة ما يتعرض له الشعب اليمني من عدوان وحصار وقتل ودمار طوال 12 عامًا. فالعلاقات العلمية الشخصية والمؤسسية يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة لإيصال الحقيقة إلى أوساط لا تصل إليها وسائل الإعلام المحلية.

كذلك، من المهم أن يكون للأكاديميين اليمنيين حضور مستمر في القنوات الفضائية اليمنية والعربية والدولية، وأن يشاركوا في البرامج الحوارية لمناقشة مظلومية الشعب اليمني، وتوضيح حق اليمن في الدفاع عن نفسه، وحق شعبه في العيش بحرية وكرامة واستقلال. فليس من المنطقي أن يظل الحديث عن اليمن حكرًا على محللين من خارجه، بينما يغيب أصحاب الاختصاص والمعرفة من اليمنيين عن كثير من هذه المنابر. كما ينبغي أن يكون للأكاديميين اليمنيين حضور فاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، لنقل الحقيقة وإيصالها بالأدلة والبراهين.

ويتطلب ذلك إعداد قائمة من الأكاديميين المتخصصين في السياسة والاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية والتاريخ والإعلام، وتدريبهم على الحوار التلفزيوني، وتزويدهم بالمعلومات الموثقة والبيانات المحدثة، حتى يتمكنوا من تقديم خطاب واضح ومتماسك، والرد على الأسئلة والادعاءات بالحجة والبرهان.

ولا بد من تحويل مظلومية الشعب اليمني إلى ملفات علمية متكاملة تتناول آثار العدوان والحصار على الاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والثروة السمكية والبنية التحتية، وتوثق الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالمؤسسات والممتلكات المدنية. وينبغي نشر هذه الدراسات بلغات متعددة في المجلات العلمية والمنصات البحثية، وإتاحتها للصحفيين والباحثين والمؤسسات الحقوقية الدولية.

فالعالم لا يكتفي بسماع المواقف السياسية، بل يحتاج إلى بيانات قابلة للتحقق، وشهادات موثقة، وصور وتقارير ميدانية، ومقارنات علمية تكشف حجم الأضرار وآثارها الممتدة على حياة اليمنيين.

إن الرد على المعلومات المغلوطة لا يكون بتبادل الاتهامات أو تكرار الخطاب نفسه، وإنما بالتحقق من المعلومات، وتحديد مواضع الخطأ، وتقديم الأدلة المضادة، والتمييز بين الوقائع والآراء والتحليلات. وكلما كان الخطاب اليمني أكثر مهنية وموضوعية، ازدادت قدرته على إقناع المتابعين وكسب احترام الأوساط الأكاديمية والإعلامية.

كما ينبغي عدم الاكتفاء بردود الفعل بعد انتشار الأخبار المغلوطة، بل العمل على تقديم المعلومات والمواقف اليمنية بصورة استباقية، وإعداد مواد تعريفية وتقارير دورية باللغات الأجنبية، بما يساعد على كسر العزلة الإعلامية وإيصال صوت اليمن إلى العالم.

إن ما يتعرض له الشعب اليمني من عدوان وحصار، وما ترتب عليهما من معاناة إنسانية، يستحق أن يكون موضوعًا حاضرًا في الجامعات ومراكز الأبحاث والمحافل الدولية، بعيدًا عن التوظيف السياسي والتضليل الإعلامي. ومن حق اليمنيين أن تُسمع روايتهم، وأن تُعرض قضيتهم على أساس الوقائع والأدلة، وأن يُتاح للرأي العام الدولي الاطلاع على مختلف جوانب ما شهدته البلاد خلال سنوات الحرب.

لقد آن الأوان لأن ينتقل الأكاديميون اليمنيون من موقع المتابع لما يُقال عن اليمن إلى موقع المشارك في صياغة النقاش حول قضيته، ومن انتظار ردود الآخرين إلى المبادرة بتقديم الحقيقة. فالمعركة الإعلامية تحتاج إلى علماء وباحثين وأساتذة جامعات يمتلكون المعرفة والأدلة والقدرة على مخاطبة العالم بلغته، والدفاع عن قضية وطنهم بمهنية ومسؤولية.

إن اليمن لا يحتاج إلى أصوات تكرر ما يُقال في الداخل فحسب، بل يحتاج إلى أصوات علمية تصل إلى الخارج، وتشرح وتوثق وتناقش وتفند الادعاءات بالحجة والدليل. وعندما تتكامل جهود الأكاديميين مع الإعلاميين والمؤسسات الوطنية، يصبح من الممكن إيصال صورة أكثر وضوحًا عن اليمن، ومواجهة التضليل، وإبقاء مظلومية شعبه حاضرة في الوعي العربي والدولي.

You might also like