سجون بلا قضبان.. حين تتحول الولاية الأسرية إلى إكراه وانتهاك لحقوق الفتيات

إب نيوز 23 أكتوبر

حماية الفتاة من العنف والتحرش، وصون حقها في العلاج والاختيار، مسؤولية شرعية وقانونية وأخلاقية لا يجوز التفريط فيها تحت أي مبرر.

ليست كل السجون محاطة بالقضبان، فبعضها يتشكل خلف أبواب المنازل، حين تتحول الرعاية الأسرية من مظلة للحماية والاحتواء إلى وسيلة للضغط والإكراه والسيطرة على حياة الفتاة وقراراتها الشخصية. وهناك، قد تجد الفتاة نفسها محاصرة بالخوف والتهديد والعزل، محرومة من الرعاية الصحية والنفسية، أو مجبرة على القبول بزواج لا تريده، أو ممنوعة من الزواج بمن تختاره، في انتهاك يمس كرامتها وحقوقها الإنسانية.

وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تُستخدم سلطة الأب أو الأخ أو الولي لتقييد حرية الفتاة، ومصادرة خصوصيتها، وفرض رقابة تتجاوز حدود الرعاية المشروعة إلى الإيذاء النفسي والجسدي، أو حين تُحرم من التواصل مع الآخرين وطلب المساعدة، ويُنظر إلى شكواها باعتبارها تهديدًا لسمعة الأسرة بدلًا من التعامل معها بوصفها نداءً يستوجب الاستماع والتحقق والحماية.

الولاية أمانة وليست سلطة مطلقة

إن الولاية الأسرية في أصلها مسؤولية تقوم على الرعاية والحماية وتحقيق المصلحة، وليست تفويضًا مفتوحًا للتحكم في حياة الفتاة أو مصادرة إرادتها أو حرمانها من حقوقها الأساسية. فالأبوة والأخوة والقرابة لا تمنح أحدًا حصانة تبيح الإيذاء أو التهديد أو الإكراه، كما أن المحافظة على سمعة الأسرة لا يمكن أن تكون مبررًا للتستر على جريمة أو إسكات ضحية.

ومن هذا المنطلق، فإن حرمان الفتاة عمدًا من العلاج الضروري، أو منعها من الحصول على الدعم النفسي والصحي، أو إخضاعها لضغوط مستمرة لإجبارها على اتخاذ قرارات لا تريدها، ممارسات تستوجب التوقف عندها والتحقق من ظروفها وآثارها، وتحديد المسؤولية القانونية عنها وفقًا لطبيعة الواقعة والأدلة المتاحة.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف أسري أو إجراء رقابي يمثل جريمة، بل إن الفاصل الأساسي هو طبيعة التصرف وحدوده، وما إذا كان يستهدف الحماية المشروعة أم يتحول إلى وسيلة للإيذاء والتهديد وسلب الحرية.

الزواج بالإكراه أو المنع.. أين تقف الحقوق؟

يُعد اختيار شريك الحياة من المسائل التي تتصل بكرامة الإنسان وإرادته، ولا ينبغي أن يتحول الزواج إلى وسيلة لفرض السيطرة أو تصفية الخلافات الأسرية. فإجبار الفتاة على الزواج تحت التهديد أو الضغط، أو استخدام العنف والابتزاز لفرض قرار عليها، يثير إشكالات شرعية وقانونية تستوجب النظر في ظروف الواقعة والأحكام ذات الصلة.

وفي المقابل، فإن منع المرأة من الزواج تعسفًا، أو تعطيل زواجها دون مسوغ معتبر، قد يدخل في نطاق العضل الذي عالجته أحكام الشريعة وقانون الأحوال الشخصية اليمني، مع مراعاة الشروط والإجراءات القانونية المقررة.

ولا يجوز الخلط بين النصح الأسري وإبداء الرأي من جهة، وبين الإكراه والإضرار المتعمد من جهة أخرى؛ فالنصيحة تقوم على الحوار والإقناع، أما التهديد والابتزاز والعنف فلا تصنع قرارًا حرًا، بل تفرض واقعًا قائمًا على الخوف.

التحرش والتستر.. حين تصبح حماية السمعة خطرًا على الضحية

من أخطر صور الانتهاك أن تتعرض الفتاة للتحرش أو الاستغلال، ثم تجد نفسها أمام ضغوط جديدة من أفراد أسرتها لإجبارها على الصمت، أو التراجع عن أقوالها، أو التنازل عن حقها في طلب الحماية. وقد تتضاعف معاناتها حين يُشكك في روايتها، أو تُحمّل مسؤولية ما تعرضت له، أو تُعاقب بسبب لجوئها إلى طلب المساعدة.

إن حماية الأسرة لا تتحقق بإخفاء الوقائع أو إسكات المتضررة، وإنما بالتعامل المسؤول مع الشكاوى، والتحقق من الأدلة، ومنع تكرار الاعتداء، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.

كما أن وجود صلة قرابة بين المتهم والفتاة لا يبرر التساهل مع أي اعتداء محتمل، ولا يمنح المشتبه به حقًا في منعها من طلب الحماية. وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الجنائية عن التستر أو التهديد أو المساعدة في الجريمة لا تُفترض لمجرد وجود خلاف أسري، بل تُحدد وفقًا للأفعال المرتكبة والنصوص القانونية المنطبقة والأدلة التي تقدمها الجهات المختصة.

ماذا يقول القانون اليمني؟

يوفر التشريع اليمني أطرًا قانونية للتعامل مع الاعتداءات على الأشخاص وحريتهم وسلامتهم، كما يتضمن قانون حقوق الطفل رقم (45) لسنة 2002م أحكامًا تتعلق بحماية الأطفال ورعايتهم، إلى جانب الأحكام ذات الصلة في قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون الإجراءات الجزائية.

وتختلف الأوصاف القانونية والعقوبات باختلاف الواقعة؛ فقد تستدعي بعض الحالات النظر في أحكام الإيذاء أو التهديد أو تقييد الحرية أو الاعتداء الجنسي، بينما تتطلب حالات أخرى بحثًا مستقلًا في مسائل الولاية والعضل والرعاية والإهمال.

ومن المهم التأكيد أن تطبيق نص قانوني بعينه يتطلب التحقق من انطباق شروطه على الواقعة، وعدم الاكتفاء بإطلاق أوصاف جنائية عامة. كما أن التدابير المتعلقة بالولاية أو الحماية أو نقل الفتاة إلى مكان آمن تخضع للإجراءات والاختصاصات القانونية المقررة، ولا تُعد نتائج تلقائية لكل خلاف أسري.

أما الإبلاغ عن واقعة يُشتبه في أنها تشكل جريمة، فيمثل وسيلة مهمة لإيصالها إلى الجهات المختصة للتحقق منها واتخاذ الإجراءات اللازمة. وينبغي أن يتم ذلك بطريقة تحفظ خصوصية الفتاة، وتصون كرامتها، وتحد من تعرضها للضغط أو الانتقام.

كيف يمكن حماية الفتاة عمليًا؟

تبدأ الحماية بالاستماع إلى الفتاة بجدية، ومنحها فرصة للتعبير عن مخاوفها بعيدًا عن التهديد والتأثير، ثم تقييم احتياجاتها الصحية والنفسية، وإتاحة العلاج الضروري لها دون إهمال أو مماطلة.

وعند الاشتباه في وجود اعتداء أو تهديد حقيقي، ينبغي توثيق الوقائع المتاحة بطريقة آمنة ومشروعة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة، مع تجنب نشر أسماء الأطراف أو تفاصيل قد تكشف هوية الضحية أو تعرضها لمزيد من الضرر.

وفي الحالات التي تتضمن خطرًا مباشرًا، تكون الأولوية لتأمين سلامة الفتاة وطلب تدخل الجهات المختصة. كما ينبغي التعامل مع التقارير الطبية والنفسية بوصفها أدلة قد تساعد في فهم الحالة وإثبات بعض الوقائع، على أن تُقيّم مع سائر الأدلة وفقًا للإجراءات القانونية، لا باعتبارها دليلًا حاسمًا بصورة تلقائية في كل قضية.

التوعية الأسرية.. مسؤولية تبدأ من المنزل

إن مواجهة هذه الممارسات لا تتحقق بالقانون وحده، بل تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي يميز بين الحماية والسيطرة، وبين النصيحة والإكراه، وبين صون سمعة الأسرة والتستر على الخطأ.

ومن واجب الآباء والأمهات أن يدركوا أن الرعاية الصحية والنفسية ليست منّة يقدمونها متى شاؤوا، وأن الحوار مع الأبناء والبنات بشأن الزواج والاختيارات الشخصية أكثر أمانًا واستقرارًا من فرض القرارات بالقوة.

كما أن الوقوف إلى جانب فتاة تعرضت للتحرش أو الأذى، والاستماع إليها ومساعدتها في الوصول إلى الحماية المناسبة، ليس عارًا ولا انتقاصًا من مكانة الأسرة؛ بل هو موقف مسؤول يضع سلامة الإنسان وكرامته فوق الاعتبارات الاجتماعية الخاطئة.

فالرجولة الحقيقية لا تتمثل في إسكات الفتاة أو إخضاعها، وإنما في حمايتها من الأذى، والإنصاف عند وقوع الخلاف، وعدم السماح لأي شخص باستغلال سلطته أو قرابته للإضرار بها.

خاتمة

إن الأسرة التي توفر الأمان والحوار والرعاية تبني الثقة وتحفظ كرامة أفرادها، أما حين يتحول المنزل إلى مساحة للخوف والتهديد والحرمان، فإن المشكلة لا تعود خلافًا عائليًا عابرًا، بل تصبح قضية تستدعي المعالجة الجادة بحسب طبيعتها وآثارها.

والولاية مسؤولية قبل أن تكون سلطة، والرعاية واجب قبل أن تكون امتيازًا، وسمعة الأسرة لا تُصان بإخفاء الاعتداءات، بل بالعدل وتحمل المسؤولية وحماية المتضرر.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن بناء وعي أسري ومجتمعي يجعل احترام إرادة الفتاة، وتوفير العلاج والرعاية لها، وحمايتها من التحرش والاستغلال، والتبليغ عن الاعتداءات، دليلًا على النضج والمسؤولية، بدلًا من اعتبار ذلك فضيحة ينبغي إخفاؤها؟

فحماية الفتاة ليست خروجًا على الأسرة، بل حماية للأسرة نفسها من أن تتحول روابطها إلى أدوات للأذى، ومن أن يصبح الصمت سببًا في استمرار الانتهاكات بدلًا من وضع حد لها.

#حماية_الأسرة #حقوق_المرأة #مناهضة_العنف #القانون_اليمني #حماية_الفتيات

You might also like