التحولات الهيكلية في النموذج الأوربي، أوربا تبحث عن نفسها..!!
إب نيوز ٢٣ أكتوبر
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️ المقدمة:
الأحتجاجات الأوربية المتزامنة التي عمت القارة العجوز في 18-19 تشرين الاول 2026، والتي شملت فرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا، تمثل المرحلة الثانية من الخريف الغربي، وتختلف نوعياً عن موجة 2016 الشعبوية، لكونها تحالفاً طبقياً عابراً للأيديولوجيا مدفوعاً بأزمة بنيوية في القوة الشرائية. والمفهوم الجديد السائد حالياً هو، سقوط الشخصية الغربية المصنعة لتحليل إنهيار الشرعية الرمزية للنخب الحاكمة، ونتستشرف هنا ثلاثة سيناريوهات لمستقبل أوروبا بين 2026 و 2030.
أولاً: الإشكالية والمنهجية.
الإشكالية المركزية التي تطرحها هذه الورقة هي؛ هل تمثل أحتجاجات تشرين 2026 أزمة دورية قابلة للاحتواء، أم أزمة شرعية بنيوية مزدوجة، تجمع بين فشل مادي يتمثل في عدم تأمين الخبز والسكن، وفشل رمزي يتمثل في سقوط الشخصية الغربية التي تم تلميعها إعلامياً؟
ثانياً: من الربيع العربي إلى الخريف الغربي.
الربيع العربي 2011 كان أزمة هيمنة لدول أستبدادية جداً تخنق مجتمعاتها، وشعاره الشعب يريد إسقاط النظام.
الخريف الغربي 2026 هو أزمة هيمنة معكوسة لدول ضعيفة جداً لا تستطيع حماية مجتمعاتها من السوق وضبط الأيجارات، وشعاره الضمني الشعب يريد استعادة الدولة.
العلاقة بين كلاهما ليست تشبيهاً بل هي علاقة سببية تاريخية مباشرة.
الربيع العربي أنتج الخريف الغربي مادياً، بينما الخريف الغربي يبحث عن نفسه.
ثالثاً: التشخيص الميداني – ما الجديد في أكتوبر 2026؟
تختلف موجة أكتوبر 2026 نوعياً عن موجة 2016.
موجة 2016 كانت سياسية هوياتية تهدف لإسقاط النخبة، وتحالفها أحادي الطبقة.
موجة 2026 هي إجتماعية معيشية تهدف لتأمين السكن والوقود والخدمات، وتحالفها عابر للطبقات.
ففي فرنسا إجتمع مزارعون ونقابات عمالية وطلاب المدارس والجامعات ونشطاء مناخ وسترات صفراء سابقون في شارع واحد.
وفي إيطاليا بدأ كاحتجاج طلابي على قطع ميزانية التعليم لصالح السلاح، ثم التحق به سائقو الشاحنات والمزارعون بسبب تضاعف سعر الديزل وشعارهم نحن نزرع الأرض ونحصد الديون.
في البرتغال وإسبانيا هتف عشرات الآلاف ضد صناديق العقارات المفترسة التي ترفع الإيجارات.
البيانات الميدانية تؤكد حجم الأحتجاجات. في فرنسا 550 ألف متظاهر، 997 شرطي مصاب، 2397 معتقل في يوم واحد، إغلاق متحف اللوفر وسيارات محترقة. في إيطاليا 271 معتقل بينهم 220 قاصر، إغلاق طرق ونقص وقود ورفوف فارغة في الجنوب. في البرتغال وإسبانيا وبلجيكا عشرات الآلاف وإعتقال 195 محتج في بروكسل وحدها.
الجذر البنيوي يكمن في ثلاثة عوامل رئيسية وهي؛ التضخم بلا أجور، وأجيال أوربية بلا أفق واضح ،وإنهيار نموذج الطاقة الرخيصة، فأوروبا عاشت 30 سنة على غاز روسي رخيص وسلع صينية رخيصة، وعندما أنقطع الغاز تضاعف سعر الديزل وارتفع الغاز 140%.
رابعاً: سقوط الشخصية الغربية المصنعة إعلاميا.
وهي الشخصية السياسية التي يتم إنتاجها إعلامياً بشكل مبالغ فيه كمنقذ أو مفكر أو شخصية حديدية بدون إنجاز مادي ملموس على موائد الناس، عبر تكامل الإعلام الغربي والإعلام العربي المتساقط حوله مصلحياً.
1️⃣. الحالة الأولى:
إيمانويل ماكرون، الملع من 2017 إلى 2024 كأوباما أوروبا ومنقذ الديمقراطية من الشعبوية. أنكشف في 2026 عندما أمر بنشر الجيش وحظر تجوال جزئي واعتقال اعداد كبيرة من المحتجين في يوم واحد، فتحول من منقذ الديمقراطية إلى رئيس الأغنياء الذي يمول أوكرانيا ويقطع التعليم.
2️⃣. الحالة الثانية:
جورجيا ميلوني، الملمعة كتاتشر الجديدة، ونموذج المرأة المحافظة القوية. أنكشفت في موجة الأحتجاجات بعد قطعها 4.5 مليار يورو من التعليم لصالح السلاح، مع إضراب مزارعين وسائقي شاحنات ونقص وقود.
3️⃣. الحالة الثالثة:
الشخصية المعنوية الكبرى وهي؛ النموذج الليبرالي نفسه. الملمعة إعلامياً حتى نهاية التأريخ، الشرطة تحمي المتظاهر، والإعلام الحر. أنكشف عندما وصف الإعلام الرسمي في أوربا المتظاهرين بالمخربين واللصوص، وهو نفس خطاب الأنظمة العربية 2011، وإستخدم الغاز ضد طلاب الثانوية، ونشر 500 جندي في ميلانو، مع انخفاض اليورو بسبب عدم الاستقرار.
القاعدة النظرية التي نستخلصها هي أن كل شخصية مصنعة بلا إنجاز مادي سيسقطها أول اختبار غلاء معيشة.
خامساً: سيناريوهات مستقبل أوروبا بعد الاحتجاجات.
أ. السيناريو الأول: الأحتواء الأمني – المرجح على المدى القصير.
والآلية هي تحويل أوروبا من دولة رفاه إلى دولة أمنية عبر توسيع قوانين مكافحة الشغب ونشر الجيش وتقديم رشاوى اجتماعية مؤقتة مثل دعم الوقود وتأجيل زيادة الإيجارات.
النتيجة هي هدوء مؤقت لمدة قصيرة ثم إنفجار أكبر عندما يرتفع الغاز مجدداً. هذا السيناريو يشبه احتواء الأنظمة العربية بعد 2011 بدون إصلاح حقيقي، وهو يؤجل الأزمة لا يحلها.
مؤشراته هي إغلاق متحف اللوفر وحظر التجوال الجزئي في باريس.
ب. السيناريو الثاني: الأنقلاب الشعبوي.
المسار يبدأ بسقوط الحكومات الوسطية، في فرنسا وإيطاليا، ثم عودة الدولة الحامية عبر إغلاق حدودي جزئي، وإعادة التفاوض على الطاقة مع روسيا عبر وسطاء مثل تركيا، مما يكسر إجماع دعم أوكرانيا، وتأميم جزئي للإسكان من خلال حظر صناديق الإستثمار وفرض سقوف إيجارات، والخروج عن القواعد المالية الحالية بعجز أكبر لتمويل الدعم.
النتيجة هي أوروبا بسرعتين، شمال غني وجنوب غاضب، وتتوقف أوروبا عن تصدير النموذج الديمقراطي لأنها مشغولة بإنقاذه في الداخل، وانكفاء داخلي وأقل تدخلاً في أوكرانيا والشرق الأوسط.
ج. السيناريو الثالث: إعادة التأسيس المستدام.
هذا السيناريو يتطلب اعترافاً بهزيمة العولمة المفتوحة وبلا حدود، وهزيمة نموذج التقشف، وهزيمة فكرة أن السوق يحل مشكلة السكن والطاقة. والتأسيس المستدام هو الحل الوحيد الذي يحل الأزمات الجوهرية في أوربا.
▪️ الخاتمة:
أوروبا دخلت مرحلة ما بعد نهاية التاريخ، فمن 1991 إلى 2022، كانت تصدر القيم للعالم. ومن 2022 إلى 2026 أصبحت تستورد الأزمات من طاقة ولاجئين وتضخم. ومن 2026 فصاعداً ستصبح قارة تبحث عن نفسها، تماماً كما كان العرب يبحثون عن أنفسهم بعد 2011.
الفرق أن العرب عندما فشلوا في بناء البديل دخلوا حرباً أهلية بالسلاح. أوروبا تملك مؤسسات أقوى تمنعها من الحرب المسلحة، لكنها ستدخل في حرب أهلية باردة ليست بالسلاح بل بالأنتخابات والإضرابات وقطع الطرق وإغلاق الموانئ.
مستقبل أوروبا ليس انهياراً بل انكفاءً. أوروبا أقل غروراً، أقل تدخلاً في الخارج، أكثر شبهاً بالعالم الثالث في مشاكلها، من سكن ووقود وفساد نخب، لكنها لا تزال تملك القدرة على إعادة الإختراع إذا تجرأت على دفن الشخصية الغربية المصنعة التي لمعها الإعلام، وبنت شخصية جديدة هي شخصية الدولة الحامية لمجتمعاتها لا الدولة الواعظة العالم الثالث.
المفارقة التاريخية الكبرى هي أن العرب خرجوا عام 2011 يريدون أن يصبحوا مثل أوروبا، بينما الأوروبيون أنفسهم يخرجون عام 2026 لأنهم لم يعودوا يريدون أن يكونوا أوروبا التي لمعها الإعلام.
وبكيف الله.