عبدالباري عطوان : ما مدى صحة الخلاف الذي تحدثت عنه صحف أمريكية بين العاهل السعودي وولي عهده حول التطبيع مع إسرائيل؟ وما هي المؤشرات الأربعة التي ترجحه؟

 إب نيوز ١٩ سبتمبر

عبدالباري عطوان :

ما مدى صحة الخلاف الذي تحدثت عنه صحف أمريكية بين العاهل السعودي وولي عهده حول التطبيع مع إسرائيل؟ وما هي المؤشرات الأربعة التي ترجحه؟ وكيف ستكون انعكاساته في الداخل السعودي والمنطقة العربية؟

عندما تتحدث صحيفة “وول ستريت جورنال” الامريكية المقربة من الرئيس دونالد ترامب عن وجود خلاف بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله الأمير محمد، ولي العهد، حول قضية ابرام سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي على غرار ما فعلته كل من الامارات والبحرين أخيرا، فان هذا الحديث، وبحكم العديد من القرائن، ينطوي على بعض، ان لم يكن الكثير من الصدقية، ويجب اخذه في عين الاعتبار بالنظر الى الظروف الحالية التي تمر بها المملكة.

الصحيفة التي تعتبر من الصحف المفضلة أيضا للامير محمد بن سلمان، واعطاها رعاية خاصة، وخصها بإجراء مقابلات معه، ومسؤولين سعوديين آخرين، وتغطية الكثير من الفعاليات في بلاده، وخاصة بعض جوانب الحرب في اليمن، اكدت ان الملك سلمان يرفض توقيع أي اتفاق تطبيع مع دولة الاحتلال، ويعارض نجله الذي قالت انه لم يخبره بالاتفاقين الاماراتي والبحريني مسبقا، وانه متمسك بمبادرة السلام العربية، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على عكس ولي عهد.

هناك أربعة مؤشرات رئيسية علنية ترجح بعض ما قالته الصحيفة الامريكية يمكن رصدها كالتالي:

  • الأول: الاتصال الذي اجراه الرئيس الأمريكي ترامب مع العاهل السعودي الملك سلمان، وحاول فيه إقناعه بضرورة توقيع المملكة “اتفاق سلام” مماثل، ولكن هذا الاتصال لم يثمر عن أي نتيجة حتى الآن، واكتفى الرئيس الأمريكي بالقول “ان المملكة ستُقدم على خطوة التطبيع ولكن في الوقت المناسب”.

  • الثاني: لم يرحب البيان الذي صدر عن اجتماع مجلس الوزراء السعودي في جلسة ترأسها الملك سلمان يوم الثلاثاء الماضي بالاتفاقين الاماراتي والبحريني، بل ولم يأت على ذكرهما كليا، وقال البيان “اكد العاهل السعودي على وحدة وسلامة الأراضي العربية، ووقوف المملكة الى جانب الشعب الفلسطيني، ودعم الجهود الرامية الى حل عادل وشمال للقضية الفلسطينية”.

  • الثالث: ليس من عادة المملكة ان تكون تابعا لاي دولة عربية، وحتى لو كانت تريد توقيع اتفاق سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي فإنها تفضل دائما ان تكون لوحدها، وليس في معية دول أخرى اقل منها حكما ومكانة، فقد جرت العادة ان أي مسؤول امريكي او عربي يريد ان يقوم في جولة في المنطقة فان عليه ان يبدأها بالرياض، او ان يعود الى بلاده ثم يأتي لزيارتها، فاذا كان هذا الشرط البروتوكولي ينطبق على الزيارات الرسمية، فالأحرى ان يطبق ايضا على خطوات واتفاقات محورية مثل معاهدات السلام.

  • الرابع: سفيرة المملكة الاميرة ريم بنت بندر لم تحضر مراسم توقيع الاتفاقيات في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، ولم ترسل من ينوب عنها او سفارة بلادها.

من غير المستبعد ان يكون الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، قد اعطى وعدا لـ”صديقه” جاريد كوشنر عراب هذه الاتفاقات وصهر الرئيس، بأن المملكة ستسير على النهج الاماراتي والبحريني نفسه وتوقع اتفاق سلام ثان او ثالث، ولكنه فشل في اقناع والده بمثل هذه الخطوة، واخفى عنه السماح للطائرات الاسرائيلية بالمرور بأجواء المنطقة، وأعطى الضوء الأخضر للبحرين بالسير على نهج الامارات، ولكن جميع هذه التكهنات المتداولة تظل بدون ادلة مقنعة في هذا الصدد.

هناك نظرية رائجة، داخل المملكة وخارجها، تقول ان “تبادل أدوار” يجري حاليا بين العاهل السعودي وولي عهده، أي يعارض الأول، أي الملك، ويقبل الثاني، أي ولي العهد، لان المملكة أقدمت على خطوات تطبيعية “سرية” مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وارسلت مسؤولين فيها، بعضهم امراء في الاسرة الحاكمة مثل الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق، وشجعت جيوشها الالكترونية على تهيئة الأجواء، لهذا التطبيع، وتشجيع التقارب والسفر الى الأراضي الفلسطينية المحتلة.

من الصعب على أي مراقب ان يجزم بصحة هذه النظرية او عدمها، نظرا لحال التكتم الشديد في المملكة حول العديد من السياسات والمواقف المتعلقة بهذا الملف هذه الأيام، مضافا الى ذلك ان العاهل السعودي مقل جدا في الحديث واللقاءات المباشرة، بينما يختفي ولي عهده عن الانظار منذ فترة طويلة، ربما لأسباب امنية، ويمسك بقبضة حديدية على وسائل الاعلام، ويعتقل كل من يتجرأ، سواء داخل الاسرة الحاكمة، او في المؤسستين الدينية والإعلامية على التغريد خارج السرب الرسمي في وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك العديد من كبار الامراء ورجال الدين يقبعون حاليا خلف القضبان لمجرد الشبهة، او حتى الانتقاد في المجالس الخاصة.

مكانة المملكة العربية السعودية القيادية، إسلاميا وعربيا، تراجعت كثيرا في الفترة الأخيرة بسبب شبهات التطبيع مع دولة الاحتلال، وبسبب حرب اليمن، وتخشى قيادتها من ان يؤدي اقدامها على أي خطوة تطبيعية رضوخا لضغوط أمريكية، الى أزمات داخلية، وفقدان “هيبتها” ورعايتها المطلقة للاماكن المقدسة في مكة والمدينة، في ظل وجود منافسة شرسة، وتوجهات قوية، من قبل دول إسلامية باتت تتطلع الى انتزاع هذه الرعاية منها، وتبحث عن ذرائع في هذا المضمار.

اذا صح هذا الخلاف بين العاهل السعودي وولي عهده، حسب رواية الصحيفة الامريكية المذكورة، فان تبعاته خطيرة جدا في المستقبل المنظور، وربما تنعكس أهمها في تغييرات غير متوقعة في هيكلية الحكم في الأسابيع او الأشهر القليلة المقبلة.. والله اعلم.

“راي اليوم”

You might also like