نعيش فترة تاريخية لها علامات

إب نيوز ٢٢ نوفمبر

كتب أنيس نقاش.
لا شك لدينا اننا نعيش فترة تاريخية ستشهد العديد من المتغيرات الدولية والاقليمية، وليس فقط في إقليمنا فقط، بل في كافة أقاليم العالم.
العلامة الأولى لهذه التحولات هي تلبد أربعة غيوم تحمل نظر سلبية في منطقة ودولة واحدة هي الولايات المتحدة. الغيمة الأولى هي تراجع قدراتها وتواجدها وانتشارها العسكري في العالم، ليس على صعيد أسلحة الدمار الشامل، ولكن قدرتها على المناورة في حروب إقليمية أو في دول معينة. الدليل فشل حربي العراق وأفغانستان وبدء الإنسحاب من المنطقة. الغيمة الثانية هي تراجع قدرات الولايات المتحدة على التحكم بمسارات الأقتصاد العالمي. الدليل أن سلاح العقوبات الذي كان آخر ما تستطيع الولايات المتحدة استخدامه ضد أعدائها في أكثر من دولة ثبت فشله لعدم رضوخهم، واضر بالمنظومة الدولية للعولمة التي عملت لمدة عقود للوصول إليها بسبب التوجه نحو البدائل التي تهدد منظومة السيطرة الأميركية.
الغيمة الثالثة هي جائحة كورونا التي ضربت العديد من مفاصل الاقتصاد والمنظمات الاجتماعية وأظهرت ضعف المنظومة في الداخل. والغيمة الأخيرة وليست الأقل خطورة هي تجذر الانقسامات الحادة في المجتمع خاصة مع نتائج الانتخابات التي ستؤدي حتما إلى انقسام حاد ويتطور لعمل عنيف ويودي بمصداقية منظومة الديموقراطية الفدرالية الأميركية.
تراجع موقع وأدوات الولايات المتحدة يجري ليس في فراغ بل مع وجود منافس قوي يصعد اقتصاديا وانتاجيا وتكنولوجيا على الصعيد العالمي إلا وهي الصين.
هذا التراجع للولايات المتحدة وهذا التقدم للصين، ترصده قوى إقليمية عديدة تتهيأ لملء الفراغ في الأقاليم المتواجدة فيها، وأحيانا تتعدى حدود الأقاليم، وهذا ما يفسر آخر تصريحات الرئيس إردوغان عن الدور التركي الذي سيظهر بسبب التحولات الكبرى التي لا تحصل إلا كل مئة عام، كما صرح.
الولايات المتحدة أسرعت في عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية تمهيدا للوصول إلى حلف علني بينهم على الصعيد الاقتصادي والسياسي والامني، لكي يستطيعوا ملء الفراغ الذي سبحدثه انسحاب إميركا من الاقليم.
إيران تقود محور المقاومة الذي كان له الدور الأساس في إفشال حروب إميركا ودفعها نحو الإنسحاب من غرب آسيا، وهي مصرة على استكمال المقاومة من أجل تحقيق التحرر الوطني من هيمنة الغرب في كل الاقليم وعلى تحرير فلسطين. أمام هذا الفراغ وهذه التحفزات المتعددة لملء الفراغ فهذا لن يؤدي إلا إلى المزيد من الصراعات البينية الاقليمية، ولن يكون الانسحاب الأميركي مدخلا للاستقرار أو السلم الأهلي في بعض الاقطار ولا للسلم بين الأقطار. على العكس سيتصاعد الصراع وسيكون للصراع المسلح الحجم الأكبر في جولاته. آخر الارهاصات الدالة على ما نقول انفجار معركة ناغورني كاراباخ، وما اظهرته من تنسيق إقليمي بين تركيا وآذربيجان والى دور روسي مؤثر جدا في رسم خطوط وحدود الصراع وغياب تام لأي تأثير أميركي أو أوروبي.
البؤر الأخرى في افغانستان ستتصاعد فيها الصراعات لكي تفتح المجال على إعادة رسم موقع القيادة والنفوذ في هذا البلد. العراق سيكون مسرحا لأعادة ترتيب مراكز القوة فيه وسيشهد تدخلات إقليمية متعددة ضمن هذا الصراع ويؤدي إلى عودة العنف فيه.
سوريا ستستفيد من انقلاب موازين القوى وتحسن موقعها مع حلفائها وتحسم نتيجة بعض الجبهات وتستعيد المبادرة في دورها العربي من بوابة الجولان وفلسطين.
كل هذا سيحصل في ظل أزمات اقتصادية خانقة في كل من العراق وسوريا ولبنان، وبنسبة اقل في تركيا وإيران على ضوء أزمة اقتصادية عالمية أيضا لن تكون قادرة على تقديم يد العون بشكل مؤثر، إن لم يكن مساهمة في تعميق أزمات بعض الدول.
لا يمكن الهروب من الآثار السلبية لكل هذه التوقعات إلا بفتح حوار استراتيجي بين كل الاقليم من دول وأحزاب ومراكز دراسات وأصحاب راي من أجل تفادي الصراعات نتيجة الفراغ الذي سيحصل عن طريق إيجاد منظومة تعاونية مشتركة لكي تشكل قوة صد وردع لكل محاولات التفجير الداخلي في بعض الدول أو بين الدول. كما يجب أن تكون أولوية هذه المنظومة إيجاد أوسع مجالات التعاون الإقليمي في المجال الإنتاجي والتبادل للبضائع والثروات الطبيعية لمواجهة مخاطر المجاعات في بعض الدول التي تطل برأسها ولمحاولة إخراج بعض الدول من حالة الركود الاقتصادي وانهيار عملاتها امام العملات العالمية، وهي حالة تواجه أكثر من دولة.
حتى الوصول الكونفدرالية المشرقية التي ستكون تتويجا سياسيا استراتيجيا لهذه الجهود الجزئية الفعالة لا يد من الإسراع بتفعيل هذه الاليات قبل انفجار الأوضاع وضياع فرصة إعادة بناء امن الاقليم على قواعد استكمال التحرر الوطني وتحرير فلسطين ورفع مستوى التعاون حتى التكامل وتحويل نقمة تعدد الأديان والمذاهب والقوميات إلى نعمة التكامل والتعارف والتنمية المشتركة . لكي يعم السلام وفوائد التنمية على الجميع.

You might also like