رحلةُ الوداع

إب نيوز ٢ يوليو

فاطمة حسين

ما إن بزغ فجرُ يوم الخميس , و بسطت الشمس نور أشعتها , وانتشرت رائحة الأزهار بعطرٍ انساب على القلوب المُوجعة ليخفف من كمدها , وبدأت أصواتُ العصافير تصدح بنغماتها الحزينة على أشجار هذا الوطن الجريح , وبدأ الصباح ككل صباحٍ جميلٌ مُفعمٌ بالأمل والفرح رغم ما تحمله الأيام في جُعبها الكثير من المفاجآت العصيبة و الحزينة ,

هناك وفي أحد المنازل كان ينتقي أفضل الثياب كي يرتديها ليومه هذا الذي يعتبره مميزاً عن كل الأيام التي سبقت ، فرِحاً مسروراً , راكناً حقيبته أمام باب المنزل ، متعجلٌ كي لا يتأخر عن موعد الرحلة ،
والأم هناك تُجهز له طعام الإفطار كي لا يذهب حبيبها وصغيرها جائعاً،
ُيسرع أحمد مهرولاً إلى أمه كي تنتقي له أفضل الثياب

أحمد : أمي أنظري أيُهما أفضل كي أرتديه , أريد أن أكون أنيقاً أكثر هذا اليوم
الأم : كلاهما جميلٌ يا بني , فأنت رائع في كلما ترتديه , ولكن لماذا تريد أن تكون أنيقاً أكثر هذا اليوم يا صغيري ؟!
أحمد : إنّني أشعر هذا اليوم بفرحٍ شديد وسعادةٍ كبيرة تغمرني , لديّ شعور بأن رحلتنا اليوم ستكون رائعة
الأم : أسعدك الله يا بني , إذاً ارتدي الثياب الجديدة التي اشتريتها لك بالأمس ، وكن أجمل الحضور ..
ذهب أحمد مسرعاً كي يرتدي تلك الثياب الجديدة التي اشترتها له والدته ؛ انهى تجهيزاته للرحلة , ثم عاد مجدداً إلى أمه ,
أحمد : أمي هيا لقد تأخرت لا أريد أن يفوتني موعد الرحلة .
الأم : حسناً بني لقد أكملت تجهيز الطعام , هيا سنتناول الأفطار سوياً قبل أن تذهب ..

جهزت الأم وأحمد مائدة الأفطار وجلسا سوياً لتناوله ، بينما والد أحمد كان قد ذهب في الصباح الباكر إلى عمله ،
كانت والدة أحمد بين كل حينٍ وآخر تنظر إلى طفلها بابتسامةٍ حنونة وهو يأكل سريعاً خوفاً من أن يتأخر على الرحلة ؛ همّ أحمد واقفاً ، فأجبرته والدته على أخذ بضع لقيماتٍ من يدها ،
فنهض أحمد وارتدى حقيبته ، وودع أمه عند باب المنزل ..
أحمد : أمي إلى اللقاء , تمنيّ لنا رحلةً سعيدة بمقدار سعادتي هذا اليوم ..
الأم : في حفظ الله يا بني , انتبه لنفسك , وبإذن الله ستكون رحلتكم سعيدة .

ودع أحمد أمه قبل أن يذهب إلى الرحلة , ولكن لم تكن الأم تعلم بإنّ هذه الرحلة والرؤية الأخيرة لطفلها ،

سابق أحمد خطاه لكي يصل إلى حافلة الرحلة قبل ذهابها ويلتقي بأصدقائه الذين كانوا بعمره في السابعة ، وأكبر بقليل ؛ تدافع الأطفال إلى الحافلة حتى امتلأت بما يقارب حتى السبعين طفلاً ,

ضجّت الحافلة بأصواتهم ما بين ضحك ومرح ، ومضت في طريقها ، ثمّ توقفت عند أحد المحلات الغذائية لشراء بعض الحاجيات التي تلزم الرحلة ، وما إن وقفت الحافلة والأطفال يضحكون ويتهامسون وابتساماتهم البريئة مرسومةً على محياهم فرحين مسرورين بعد أن أكملوا تعليمهم لكتاب الله ، حيثُ كانت هذه الرحلة بمثابة جائزةٍ ختاميةٍ لهم ، إلا أنّهم لم يكونوا يعلموا بإنّ هناك عدواً يتأبط بهم شراً وحقداً وكأن هؤلاء الزهور قنابل موقوتة .

بينما أصوات الضحكات تعلو ، دوى صوت انفجارٍ عنيف ، لتنخفض الأصوات ، وتخفت تماماً؛ تناثرت الأشلاء ..وتفحمت الأجساد .. وانتشرت رائحة البارود والدخان ، ولم يبقى سوى أنينُ بضع زهورٍ لا زالت تتنفس بصعوبة ؛ ليتحول ذلك المكان الذي كان يضج بالضحكات إلى صرخات أبٍ يتعرّف على أشلاء طفله ، وآخر يصرخ طفله الذي تفحّم باحثاً عن بقايا طفله الآخر ؛ صراخٌ ، وعويلٌ ، واستنجاد ، وسيارات إسعافٍ تتوالى واحدةٌ تلو الأخرى لإنقاذ من لا زال على قيد الحياة ؛ وبين كل هذا الوجع تعود طائرات الشر لتقصف المسعفين ، وترتفع حصيلة الشهداء والجرحى ، ويرحل من كان مسعفاً , ويتحول ذلك المكان إلى دماءٍ ، ودخانٍ ، وأشلاء مبعثرة .

وهناك خلف جدار ذلك المنزل حيثُ تقبع والدة أحمد التي ما إن سمعت ذلك الأنفجار حتى أحست بإنّ قلبها انتزع من بين جنبيه، فقد شعرت بإنّ هناك خطبٌ عظيمٌ قد حصل ؛ وغيرها الكثير من الأمهات خائفات فلذات أكبادها مرددات : “يالله احفظ لي فلذة كبدي ” .

في تلك اللحظة وبينما والدة أحمد قلقة تشعر بألمٍ في جوفها ، وحقاً شعور الأم لا يخطأ , وصلها اتصالٌ من والد أحمد , لتجيبه بلهفةٍ قائلة : أين الأنفجار، ما الذي حدث ؟
ليجيبها والد أحمد متجاهلاً سؤالها : ما الذي كان يرتديه أحمد عندما ذهب ؟

اعتصر قلبها ألماً ، وهي تجيب بهمس : ما الذي حدث ، وماذا حصل لأحمد ؟
ليجيبها بسرعةٍ قائلاً : هيا أخبريني , لا وقت للشرح الآن …
لتعلم أن الخطب العظيم قد وقع , فتجيبه بقلب الأم المكلوم الموجوع : كان يرتدي تلك البدلة الزرقاء التي اشتريتها بالأمس .

اغلق والد أحمد الهاتف وذهب مسرعاً ، متجهاً إلى حيث الجرحى راجياً أن يكون طفله الصغير بينهم , وبينما هو يبحث اصتدمت عيناه بقطعة لحمٍ تغطيها قطعةٌ زرقاء ، ارتجفت يداه وارتعش جسده عندما عرف أنّها لحبيبه ، وصغيره أحمد ، فجثى على ركبتيه صارخاً باكياً : آهٍ لقد رحلت يا فلذة كبدي , ماذا سأقول لوالدتك التي ودعتك في الصباح على أمل أن تعود ,، ماذا أقول لها ؟!

في تلك اللحظة وصله اتصالٌ من والدة أحمد ، فلم تستطع التحمل ، فقد أحرق القلق والخوف قلبها , أجاب والد أحمد على اتصالها ، فإذا بها تقول بخوف : أخبرني هل وجدت أحمد , ماذا حصل له ، أخبرني؟!
أجابها بحزن العالم : نعم ، لقد رأيته , ولكنّه لا يريد العودة معي , لقد ذهب..

استوعبت الأم تلك الكلمات شيئاً فشيئاً ، وعند ذلك علمت بما حصل لفلذة كبدها لتجيب : هل رحل أحمد حقاً دون عودة ؟! لقد قلت له في الصباح أن ينتبه لنفسه ، كان سعيداً مسروراً وهو يودعني ، ويقول بأنهّ يشعر أنّ هذه الرحلة ستكون جميلة ، لكن لم أكن أعلم بإنّه سيودعني في رحلةٍ لا لقاء بعدها , سيودعني في رحلةٍ سعيدة إلى جنة الله ، أحقاً رحل دون عودة ؟! واااأسفاه عليك يا حبيب أمك وااأسفاه , واااالعنتاه على من قتلوك وحرموني منك ، وحرموا كل أمٍ فلذة كبدها ، وااالعنتاه عليهم من يومنا هذا إلى يوم الدين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل …

#ذكرى_مجزرة_طلاب_ضحيان

You might also like