إذا تكلمت سننُ الله… صمت الطغيان

إب نيوز ٢٣ يوليو

وفاء الكبسي

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.

ليست هذه الآيات الكريمة مجرد مواعظ تُتلى، بل هي دستورٌ لفهم حركة التاريخ، وسننٌ إلهية ماضية لا تتبدل ولا تتحول. فما ارتفع باطلٌ إلا كان في صعوده بداية سقوطه، وما تجبر مستكبرٌ إلا حمل في داخله أسباب نهايته، فالقوة حين تنفصل عن الحق تتحول إلى طريقٍ للهلاك، والظلم حين يبلغ مداه يبدأ العدّ التنازلي لانكساره.

وقد كشف القرآن الكريم طبيعة الطغيان في قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ فهي عقليةٌ ترى الشعوب أدواتٍ للسيطرة، وتظن أن القوة تمنحها حق الاستعلاء والإفساد. لكنها تغفل عن سنة الله التي لا تحابي أحدًا، قال سبحانه:

﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.

ومن أعظم هذه السنن أن الظالم يحمل أسباب هلاكه في ممارساته، وأن المكر السيئ يعود على صاحبه، كما قال تعالى:

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾،

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

لقد توهمت قوى الاستكبار (الهيمنة الأمريكية الصهيونية) أن الحصار والخنق الاقتصادي ومنع مقومات الحياة قادرة على كسر إرادة الشعوب، وأن الضغط المستمر يمكن أن ينتزع من الإنسان حريته وكرامته. لكنها أخطأت في قراءة الإنسان اليمني المؤمن، كما أخطأت في قراءة سنن القرآن؛ فالقرآن لا يصنع أمةً تستسلم للمحن، بل أمةً تحول الابتلاء إلى قوة، قال تعالى:

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

فحين يستقر الإيمان في القلوب يتحول الصبر إلى بصيرة، والبصيرة إلى ثبات، والثبات إلى قوة قادرة على صناعة معادلات جديدة. فالفارق ليس بين من يرى الأحداث ومن يقرأها فحسب، بل بين من يقف عند ظاهرها ومن يدرك السنن الإلهية التي تحركها؛ فالغلبة لا تكون دائمًا لمن يملك أسباب القوة المادية، وإنما لمن ثبت على الحق واستمد قوته من الله.

إن ما تشهده المنطقة ليس مجرد أحداث سياسية أو عسكرية عابرة، بل هو تحولٌ في موازين الصراع، وانكشافٌ لوهم احتكار القوة، وانتقالٌ من زمن كانت تُفرض فيه المعادلات بإرادة القوى الكبرى إلى زمنٍ يظهر فيه أثر وعي الشعوب وصمودها.

لقد أراد النظام السعودي أن يكون الحصار واقعًا دائمًا على اليمن، فإذا به يتحول إلى عبءٍ يكشف محدودية أدوات الضغط، فهذه سنة الله في الظلم؛ إذ يتحول ما يُراد به إخضاع الآخرين إلى سببٍ في إنهاك صاحبه. فمن يزرع الظلم لا يحصد إلا تبعاته.

وفي الوقت ذاته، انكشف وجه النظام الدولي الذي رفع شعارات العدالة والقانون، فإذا بالمبادئ تُستدعى حين تخدم المصالح، وتُهمَل حين تكون الضحية شعبًا مستضعفًا. فقد فضحت الأحداث ازدواجية المعايير، وأسقطت الأقنعة عن منظومةٍ تتحدث عن السلام بينما تصمت أمام معاناة الأبرياء، وتتحرك حيث تكون المصالح، وتتجاهل حيث تكون الحقوق.

لكن القرآن الكريم يعلمنا أن نهضة الأمم لا تقوم على انتظار اعتراف الآخرين، وإنما على وعي رسالتها، والثقة بعدالة قضيتها، والتمسك بمبادئها. فالأمم لا تسقط حين تقل إمكاناتها، وإنما حين تفقد بوصلتها وقيمها.

إن المرحلة الراهنة ليست اختبارًا للقوة العسكرية فقط، بل اختبارٌ للوعي والقدرة على قراءة سنن الله في الأمم. فمن أدرك هذه السنن علم أن المال والسلاح والتحالفات لا تصنع نصرًا دائمًا إذا غاب الحق، وأن الثبات على المبادئ هو ما يصنع الفارق في لحظات التحولات الكبرى.

وسيظل اليمن شاهدًا على أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية لا تُمنح، وأن عظمة الأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها، بل بما تحمله من وعيٍ وإرادة وصبر. فمن يستمد عزيمته من نور القرآن الكريم، ويهتدي بهدي رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تهزمه سنوات الشدة، لأن الله وعد بقوله:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

واليوم يقف النظام السعود الذي اختار طريق القوة والغطرسة أمام حقيقةٍ لا مفر منها: أن سنن الله لا تستثني أحدًا، ولا تحابي دولةً لقوتها أو ثراءها، وإنما تمضي بالحق وتسقط الباطل مهما طال بقاؤه.

وسيظل وعد الله فوق كل حسابات السياسة والمصالح:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

فإذا تكلمت سننُ الله… صمتت أبواق الطغيان، وإذا تحركت إرادة الشعوب المؤمنة أدرك المستكبرون أن القوة الحقيقية ليست فيما يملكون من سلاحٍ ومال، بل فيما يفتقدونه من حق وعدل.

والفصل الأخير بيد الله سبحانه وتعالى، فهو القائل:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾،

وقال سبحانه:

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

You might also like