اليمن: الشرعية والفاعل غير الحكومي .. نقاط على الحروف

 

إب نيوز 12 أكتوبر

ناصر قنديل

حين يناقش الخطاب العربي الرسمي الحرب في اليمن، يستعمل عبارتي «الحكومة الشرعية» و«الفاعل غير الحكومي» كأنهما تحسمان مسبقاً كل سؤال عن السلطة والسلاح والتمثيل الشعبي. لكن استعادة مسار انتقال الحكم، ومقارنته بما جرى في سورية وبحالتي تايوان وكوريا الشمالية، تكشف ضرورة الفصل بين التفويض الانتخابي والاعتراف الدولي والسيطرة الفعلية. فهذه معايير مختلفة، ولا يجوز الانتقال بينها وفق هوية الطرف وموقعه في التحالفات، ثم تقديم النتيجة باعتبارها قاعدة دستورية ثابتة.

آخر انتخابات نيابية يمنية جرت في نيسان 2003، وآخر انتخابات رئاسية تنافسية جرت في أيلول 2006 وفاز فيها علي عبد الله صالح. أما اقتراع شباط 2012، الذي أوصل عبد ربه منصور هادي، فكان بمرشح توافقي وحيد ضمن التسوية الخليجية. لذلك امتلك هادي تفويضاً انتقالياً، لكنه لم يفز في منافسة رئاسية بين برامج ومرشحين. وكانت الآلية التنفيذية للتسوية تفترض استكمال الانتقال بانتخابات عامة خلال سنتين، لا إبقاء السلطة الانتقالية مفتوحة بلا تجديد التفويض الشعبي.

تعطّل المسار الانتقالي، ثم جاءت سيطرة أنصار الله على صنعاء، واستقالة هادي وسحبها بعد انتقاله إلى عدن. وأكّد مجلس الأمن في القرار 2216 دعمه لشرعية هادي. هنا أصبح الاعتراف الدولي عنصراً مركزياً في استمرار السلطة، لكنه لم يعوّض الانتخابات الغائبة. وفي السابع من نيسان 2022 بعد عشر سنوات على اختياره وثماني سنوات على نهاية المهلة المحددة له لإجراء انتخابات عامة، نقل هادي صلاحياته المنتهية إلى مجلس قيادة رئاسي من ثمانية أعضاء، برئاسة رشاد العليمي، من دون اقتراع شعبي جديد. ورحّب مجلس الأمن بالمجلس؛ فتجدد الاعتراف، بينما بقي التفويض الانتخابي مؤجلاً.

السؤال الدستوري هنا مباشر: هل يملك الرئيس حق نقل كامل صلاحياته إلى هيئة يختارها؟ المادة 124 تتيح تفويض نائب الرئيس في بعض الاختصاصات، والمادة 114 تنظّم الاستمرار الاستثنائي عند تعذر انتخاب خلف، والمادة 116 تحدد ترتيبات شغور الرئاسة. ولا تمنح هذه المواد الرئيس سلطة إنشاء رئاسة جماعية بديلة. والأبلغ أن إعلان هادي نص على إلغاء ما يتعارض معه من أحكام الدستور والقوانين؛ أي إنه قدّم نفسه مرجعية استثنائية أعلى من النص الدستوري، لا مجرد تطبيق له. وقرار صدر من الرياض وليس من فوق الارض اليمنية، ومثله يفعل رئيس مجلس القيادة بإصدار بياناته من الرياض لا من اليمن.

لم تبقَ التشكيلة التي اختارها هادي كاملة. ففي كانون الثاني 2026 أُسقطت عضوية عيدروس الزبيدي وفرج البحسني، وعُيّن محمود الصبيحي وسالم الخنبشي لشغل المقعدين بقرار أصدره العليمي استناداً إلى محاضر المجلس. بقي ستة من الأعضاء الأصليين، ولم يمر التعديل بصندوق الاقتراع. نحن أمام سلطة تتجدد بالتعيين والقرارات الداخلية، وتحتفظ باعترافها الدولي، لا أمام ولاية رئاسية جددها اليمنيون بانتخابات. وهذه واقعة ينبغي أن تحضر كلما استُعملت الشرعية مرادفاً للإرادة الشعبية.

في المقابل، قامت سلطة صنعاء على السيطرة الفعلية، ثم تشكيل المجلس السياسي الأعلى وحكومة بالشراكة بين أنصار الله وحزب المؤتمر، مع الاستناد إلى أعضاء من البرلمان المنتخب عام 2003. كانت صلاحية تلك الإجراءات ونصاب الجلسات محل نزاع، ولم تحصل السلطة على الاعتراف الدولي بتمثيل اليمن. لكن غياب الاعتراف لا يمحو وجود مؤسسات الحكم. كما أن حضور نواب منتخبين لا يجعل المجلس السياسي منتخباً، فإن الاعتراف بمجلس القيادة لا يجعله منتخباً أيضاً. المقارنة تكشف اختلاف مصادر السلطة، ولا تثبت تطابق وضع الطرفين، مع لفت الانتباه الى ان انصار الله رغم حرب ممتدة لسنوات بدعم سعودي كامل وبعدها حرب اميركية اسرائيلية خلال قيام حكومة صنعاء بإسناد غزة، بقوا يسيطرون على مناطق هامة من اليمن منها العاصمة صنعاء وبقي سكان هذه المناطق يمثلون ثلاثة أرباع عدد سكان اليمن التي تبلغ خمسة وأربعين مليونا.

تايوان تفصل بدورها بين الاعتراف ووظيفة الحكم. فهي تمتلك حكومة ومؤسسات وانتخابات تنافسية، رغم محدودية الاعتراف الدبلوماسي وغياب تمثيل مستقل في الأمم المتحدة. وتتعاون معها واشنطن وتسلحها من دون علاقات دبلوماسية رسمية. لذلك لا تكفي عبارة «غير معترف بها» لتحويل حكومة فعلية إلى تنظيم مسلح. وتصبح المقارنة أكثر إحراجاً عند الانتقال إلى سورية. فالقوة التي قادها أحمد الشرع جاءت من مسار جبهة النصرة وتحولاتها وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، ثم أُعلن الشرع رئيساً انتقالياً في اجتماع للفصائل المسلحة، من دون انتخابات عامة، مع إلغاء الدستور وحل المؤسسات السابقة وإعلان دمج الفصائل بالدولة. ومع ذلك تلقّى التهاني السعودية والخليجية ونال مقعد سورية في الجامعة العربية وتبخر بعطر الرئيس الأميركي في البيت الأبيض. وهذه حالة أن الأصل المسلح وغياب الانتخاب لم يُعتبرا سببا للحديث عن الفاعل غير الحكومي وعن السلاح خارج الدولة ولا عن إلزامية الوقوف مع السلطة الشرعية.

في مقال منشور في موقع قناة الجزيرة، اعتبر سمير العركي إعلان الشرع من الفصائل انعكاساً لإرادة سورية، بينما كتب عبد الرحمن الراشد، المدير السابق للعربية، عن سلطة الشرع: «اليوم هو الدولة». والسؤال البسيط بالمقارنة مع حكومة صنعاء، ما هي الشروط التي تنقل قوة مسلحة إلى صفة الدولة، ولماذا لا تُناقش بالشروط نفسها في صنعاء؟

هناك مثل شعبي شائع يقول “يضع الفاخوري أذن الجرة حيث يريد”، وهذا هو الحال في استخدام مصطلحي الشرعية والفاعل غير الحكومي، من ينسجم مع السياسة الأميركية ويلتزم بعدم تهديد امن اسرائيل، شرعي وليس فاعلا غير حكومي ولو جاء من تنظيم القاعدة، فلا مشكلة برفع تصنيفه على لوائح الإرهاب وقبول دستوريته ولو لم يملك دستورا، وقبول تنصيبه ولو من دون انتخابات، وديمقراطيته ولو رفض إجراء الانتخابات ومنح نفسه حكما لخمس سنوات ينظر بعدها فيما يفعل، ومن يتمسك باستقلال بلده ويرفض الخضوع ويتحمل تبعات جبهة إسناد لغزة دون الكثير من العرب يكافأ بشن الحرب عليه، وإعلانه ارهابيا وفعلا غير حكومي وغير شرعي.

You might also like