حلف مكة!

إب نيوز 12 أكتوبر

كان عثمان قد فقد الثقة بالأخبار العربية من زمان.

كلما سمع عن قمة، عرف أن الجبال ستتمخض عن بيان. وكلما سمع عن اجتماع طارئ، أيقن أن الطوارئ ستنتهي بالتقاط الصورة الجماعية. وكلما أعلنوا موقف حاسم، عرف أنه في المكان الغلط.

لكن ذات مساء حصل شيء ما كانش في الحسبان. كان يقلب في تلفونه، وفجأة وقع نظره على عنوان كبير: “تشكيل حلف مكة”!

اعتدل في جلسته. وقرب التلفون من عيونه، وقرأ العنوان مرة ثانية..

نفخ نظارته ومسحها بطرف ثوبه، ورجع يقراه ويتهجاه مرة ثالثة. “حلف مكة”!

قالها وهو مش مصدق، وكأنهم بشروه أن جيوش المسلمين وصلت عند أبواب القدس.

قام من مكانه، وهو يصيح بطول صوته: “الله أكبر أخيرا أخيرا صحا زعماء الأمة! أخيرا قام المارد الإسلامي السني من رقدته!”

وسكت لحظة، وكأنه بيعتذر للتاريخ:

“صحيح أنهم تأخروا 3 أعوام، وصحيح أن غزة دفعت من دم أطفالها وأشلاء نسوانها وأنقاض بيوتها ما يكفي لإيقاظ الموتى كلهم، لكن تجي متأخر أحسن من ما تجيش أبدا! أكيد كانوا يجهزوا نفسهم، فالموضوع مش لعبة!”

بدأ خياله يشتغل. تخيل الجيوش لسعودية والباكستانية والتركية وهي تفك الحصار عن غزة، والأساطيل تحمي بحار المسلمين من الهيمنة الأجنبية، والزعماء مجتمعين يخططوا لتحرير فلسطين. والطواير بتنزل الغذاء والدواء لأطفال غزة، والسفن وهي تكسر الحصار، وأهل القدس وهم يستقبلوا خبر النصر.

ابتسم ابتسامة ما ابتسمهاش من شهور. وقال لنفسه: ” يا باطلاه! طلعنا ظالمين لذولا الزعماء! كنا نحسبهم خونة، وأتاريهم كانوا يجهزوا للانقضاض هي حرب ما هي لعبة!”

وبدأ يحسبها على أصابعه: “جيوش جرارة، وقواعد عسكرية، ومئات الطائرات، وآلاف الدبابات، وأسلحة ما يعلم بها إلا الله..”

وفجأة رجع يصرخ: “يا ويل أمريكا واسرائيل! خلاص انتهى زمن الاستفراد بالمسلمين!”

وتخيل ترامب ونتياهو وهم يرتجفوا.

ما قدرش عثمان يكتم فرحته.

خرج يجري لعند جاره العجوز عم مقبل، وكان جالس قدام بيته يشرب شاهي وقد سمع صياح عثمان. قال له وهو يشتي يطير من الفرح: “أبشر يا عم مقبل! اتشكل حلف مكة!”

رفع مقبل رأسه وهو ضابح: “وما دخل مكة بالأحلاف؟”

قال عثمان: “هذه بشرى عظيمة! أخيرا تحرك المسلمين لإنقاذ غزة وتحرير الأقصى”

نفخ العم مقبل في كاس الشاهي، وسأله: “ومن قلك أنهم رايحين للأقصى؟”

– رد عثمان بثقة: “ومن غير الأقصى يستحق حلف اسمه مكة؟!”

– ضحك العم مقبل وقال: “يا عثمان، اقرا الخبر سوا. فبعض العناوين أولها عسل وآخرها حنظل!

عثمان ما أعجبهش كلامه، ورجع بيته وهو بيجابر نفسه: “هؤلاء الشيبات معقدين متشاءمين!”

جلس عثمان قدام التلفزيون .ظهر المذيع بوجه صارم، وخلفه صور الأعلام والقادة. وبدأ يتكلم عن مواجهة التهديدات، وحماية الأمن والاستقرار، والتصدي للأخطار.

هز عثمان رأسه بفخر: “أيوه! هذا كلام الرجال لا بد من مواجهة الأخطار!”

وبدأ المذيع يشرح من هم أصحاب التهديدات.أنصت. قرب عثمان من الشاشة، وفتح أذانه.

انتظر يسمع فلسطين… ما سمعش.

انتظر غزة… ما سمعش.

قال يمكن يذكروا القدس… ولا كلمة!

لكن فجأة سمع اسم يعرفه بقوة: “اليمن”!

تجمدت الابتسامة في وجهه. رفع صوت التلفزيون. سمع كلام عن مواجهة اليمنيين، وتحالفات عسكرية وتشديد الحصار وتصعيد. مسك الريموت، وخفض الصوت، ورجع رفعه مرة ثانية.

ابسر في الشاشة وهو مش مصدق. وقال بذهول: “بلادنا اليمن؟!”

ثم التفت يمين ويسار، وكأنه يدور واحد يشرح له. ورجع يحاكي نفسه: ” نقلوا المسجد الأقصى إلى صنعاء وما احنا داريين؟!”

رجع يسمع الخبر. كلما انتظر يسمع إسرائيل، سمع اليمن!

وكلما انتظر فك الحصار عن غزة، سمع تشديد الحصار على اليمن!

وكلما تخيل الجيوش وهي تتحرك نحو فلسطين، لقى البوصلة متجهة فوق راسه!

رجم بنفسه فوق الكرسي. و انفجر ضاحك لما دمعت عيونه. وقال: “يا سبحان الله! صحي المارد الإسلامي فعلا… بس الظاهر أنه قام يمشي وهو ملبوق!”

وفي اليوم الثاني خرج لعند العم مقبل. لكن هذي المرة ما كانش فرحان. ووجهه مقلوب. جلس ساكت مبرطم. قال له العم مقبل: “هاه يا عثمان بشر، هل وصل حلف مكة للقدس؟”

قال عثمان: “لا.”

“كسروا حصار غزة؟”

“لا.”

“ضربوا أمريكا التي تنهب ثروات المسلمين؟”

“لا.”

“هاا ما فعلواا؟”

رفع عثمان رأسه وقال بمرارة: “يشتوا يضربوا اليمن!”

طنن العم مقبل واشترغ في الشاهي وهو بيقل: “اليمن؟!”

قال عثمان :” أيوه! بعد كل ذي المذابح في غزة، وبعد كل ذي السنين، اكتشفوا أن الخطر الذي يستاهل يجمعوا له الجيوش والتحالفات مش هناك، حيث الأطفال يموتوا تحت الأنقاض، لا! الخطر هنا، في اليمن، عند شعب مسلم وقف مع غزة وهو نفسه محاصر ومتعب من الحرب”

هز العم مقبل راسه. وقال: “وليش مستغرب؟”

قال عثمان: ” تعجبت على هبالتي! كنت أحسب أن حلف مكة طريقه للقدس!”

قال العم مقبل: “يا بني، المشكلة مش في الطريق، المشكلة في اللي ماسك البوصلة والخريطة.”

سكت عثمان قليل. وقال: ” يا عم مقبل، تدري إيش ذي حيرني؟”

“إيش؟”. ” لما كانت غزة تصرخ، قالوا لنا: تحلوا بالحكمة وضبط النفس وحساب العواقب! ولما جاء الاتصال من واشنطن، فجأة اكتشفوا الحزم والعزم ووحدة الصف والدفاع عن الحرمين وسرعة التحرك!”

ضحك العم مقبل وقال: “يا عثمان الحرمين شماعة للتغطية على جرائم النظام السعودي واستكباره”.

رجع عثمان بيته، وفتح دفتر قديم كان يكتب فيه خواطره. وكتب عنوان كبير: “أخبار نهضة الأمة”

ثم كتب تحته: “استيقظ المارد الإسلامي بعد نوم طويل. فتح عينيه، فرأى غزة مدمرة، والقدس تحت الاحتلال، وثروات المسلمين تتنازعها القوى الكبرى، وشعبا وقف مع غزة. ففكر مليا. فجاءه اتصال من واشنطن. ثم عقد اجتماعا طارئا. وبعد مداولات تاريخية، اتخذ قرارا شجاعا: أن يحارب من يقف مع غزة!”

توقف عن الكتابة. قرا ما كتب، وأضاف: “ولكي يطمئن الناس إلى عظمة المهمة، سمّى الحلف باسم مكة؛ فليس هناك أيسر من استعارة اسم مقدس حين يصعب العثور على مبرر مقنع للخيانة “

أغلق الدفتر. و فتحه مرة ثانية، وكتب في آخر الصفحة: “كنت أظن أن المارد إذا نهض سيكسر قيود الأمة، فإذا به يفتش عن قيد جديد يضعه في عنقها.

وكنت أظن أن الجيوش التي تأخرت عن نجدة غزة ستعتذر للتاريخ، فإذا بها تحارب من وقف مع غزة. وكنت أظن أن اسم مكة سيذكرهم بحرمة دم المسلم، فإذا بهم قد جعلوه ستارا يختبئ خلفه يهود العرب “

في المساء جاء ابنه الصغير لعنده، بعدما سمع الكبار يتحاكوا عن الحلف. وسأله: “يا أبااه، ليش سموه حلف مكة؟”

طالع عثمان في وجه ابنه وقال: “لأن مكة عظيمة يا ابني.”

قال الولد: “وهل كل من سمّى نفسه باسم شيء عظيم يصبح عظيم؟”

سكت عثمان. وابتسم بقهر وحزن وقال: “لا يا ولدي. لو كان هكذا، أن كل من سمّى نفسه عادل قد أقام العدل، ومن سمى نفسه خادم الحرمين يخدم الحرمين فعلا وما يستغلهن لخدمته بينما هو بيخدم ترامب ونتنياهو وإبستين”

فكر الولد قليل، وسأله ببراءة: “هولا اللي شكلوا الحلف هم داريين أننا اليمنيين مسلمين وأننا بندافع عن مقدسات وشرف الأمة”؟

قام لعند النافذة. نظر للسماء وقال بصوت واطي: “يعرفوا يا بني… يعرفوا. لكن هذا هو سبب تحالفهم وحربهم علينا اليمنيين”

وفي الصباح عاد عثمان لدفتره، وشطب عنوان “أخبار نهضة الأمة”.

وكتب مكانه: “حلف مكة… حين طال انتظار القدس، فاستعجلوا الطريق إلى اليمنيين المدافعين عن القدس!

وقبل ما يغلق الدفتر، سمع صوت الصواريخ والغارات وهي تقصف بجواره، حتى اهتز البيت وتكسرت الطيقان، وابنه قام يجري مفجوع. احتضنه عثمان، حتى توقف القصف، وقام لعند النافذة وشاف المدرسة اللي جنبهم في طرف الحارة بتحترق وقدها مدمرة. فقال له ابنه من قصفنا من قتل زملائي يا أبااه: رد عثمان: “هذا حلف مكة يا ولدي”.

 

قصة قصيرة

 

كتبها: عبدالمجيد عزيز

You might also like