ثورة 14 أكتوبر.. معركة الحرية والسيادة والاستقلال مستمرة

إب نيوز 15 أكتوبر

محمد صالح حاتم

وبلادنا اليمن تحتفل بالذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان الأبية عام 1963م، ضد الاستعمار البريطاني الذي جثم على جزء من أرضنا قرابة 129 عامًا، نستحضر أهداف هذه الثورة العظيمة وتضحيات أبطالها الذين خاضوا معركة التحرر حتى أُجبرت بريطانيا على الرحيل في 30 نوفمبر 1967م.

لقد ثار شعبنا اليمني من أجل الحرية والسيادة والاستقلال، وإنهاء الاحتلال والتبعية، وتوحيد الأرض اليمنية، وبناء دولة مستقلة تمتلك قرارها وثرواتها وترفض الهيمنة الخارجية. لكن بعد 63 عامًا، يظل السؤال قائمًا: هل تحققت أهداف الثورة كاملة، أم أن شعبنا لا يزال يخوض معركة التحرر والاستقلال بأشكال جديدة؟

إن خروج القوات البريطانية لم يعنِ انتهاء التدخلات الخارجية في الشأن اليمني؛ فالقوى الخارجية تسعى إلى حماية مصالحها ونفوذها بوسائل مختلفة، عبر التدخلات السياسية والعسكرية والتأثير في القرار الوطني. فالاستقلال الحقيقي لا يقتصر على رحيل الجندي الأجنبي، بل يعني تحرير القرار الوطني من الوصاية والتبعية، وتمكين الشعب من تقرير خياراته السياسية والاقتصادية بحرية.

وعلى امتداد العقود الماضية، لم ينل اليمن الحرية والسيادة والاستقلال الكامل في قراره الوطني، وظل خاضعًا لتأثيرات خارجية، في مقدمتها النفوذ السعودي والتدخلات الأمريكية عبر سفاراتها وأدواتها السياسية. وهو ما جعل الاستقلال الوطني هدفًا يتجاوز التحرر من الاحتلال المباشر إلى إنهاء الارتهان للخارج، وبناء دولة تمتلك إرادتها وتحدد سياساتها وفق مصالح شعبها.

وفي هذا السياق، جاءت ثورة 21 سبتمبر 2014م لتواصل مسار التحرر الوطني وتحقيق أهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، وفي مقدمتها الحرية والسيادة والاستقلال، وإنهاء الوصاية الخارجية واستعادة القرار الوطني. وهي ماضية في هذا المسار، وترسيخ حق اليمنيين في اختيار نظام حكمهم وإدارة شؤون بلدهم واستثمار ثرواتهم بعيدًا عن التدخلات والإملاءات الخارجية.

ومنذ مارس 2015م، يواجه اليمن عدوانًا تقوده السعودية والإمارات، بمشاركة أمريكية وبريطانية وإسرائيلية، في محاولة لإخضاع البلد ومنعه من امتلاك قراره المستقل. وقد قدم شعبنا اليمني تضحيات جسيمة، وسقط شهداء في سبيل الدفاع عن أرضه وكرامته وحقه في الحرية والسيادة والاستقلال، ورفض أن يتحول وطنه إلى ساحة نفوذ أو تابع لإرادة الرياض وأبوظبي وواشنطن.

إن مملكة آل سعود ودويلة عيال زايد لا تستطيعان تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ دائمة، أو فرض إرادتهما على شعب يمتلك تاريخًا طويلًا من مقاومة الغزاة والمحتلين. فاليمن ليس أرضًا بلا أصحاب، ولا شعبًا بلا إرادة، ولن يقبل أن يُعامل باعتباره تابعًا لأحد.

لقد ناضل شعبنا اليمني ولا يزال يناضل من أجل الحرية والسيادة والاستقلال، وما يقدمه من تضحيات منذ عام 2015م يأتي في سياق رفض العدوان والتدخل الخارجي والتمسك بحقه في تقرير مصيره. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما حق وطني يقتضي ألا يُفرض على اليمنيين شكل حكمهم، وألا تُصادر إرادتهم أو تُستباح أرضهم وثرواتهم.

وعلى القيادة السعودية أن تدرك أن مسيرة الحرية والسيادة والاستقلال مستمرة، وأن اليمن لن يقبل الوصاية أو التبعية، وأن أمن المنطقة واستقرارها يرتبطان بأمن اليمن واستقراره، واحترام سيادته، وعدم التدخل في شؤونه، وترك أبنائه يقررون شكل الحكم الذي يرتضونه ويعالجون خلافاتهم بأنفسهم. أما استمرار العدوان والتدخلات، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، وعلى من يصر عليها أن يتحمل عواقب أفعاله.

إن يمن اليوم ليس الحديقة الخلفية التي حلمت السعودية بتحويله إليها طيلة العقود الماضية؛ فهو شعب يمتلك إرادة حرة وتاريخًا عريقًا في مقاومة الاحتلال. وكما قاوم أبطال اليمن الاستعمار البريطاني حتى تحقق الاستقلال، سيظل اليمنيون متمسكين بحقهم في الدفاع عن سيادة بلدهم ورفض كل أشكال الهيمنة والوصاية.

إن الوفاء لتضحيات ثوار 14 أكتوبر يتطلب حماية الأرض والثروات، واستقلال القرار الوطني، ورفض التبعية للسعودية أو الإمارات أو الولايات المتحدة، والعمل على بناء دولة يمنية مستقلة تكون فيها إرادة الشعب المرجعية في إدارة شؤون البلاد.

لقد أثبتت تجربة ثورة 14 أكتوبر أن الشعوب قادرة على انتزاع حريتها مهما طال زمن الاحتلال، وأن إرادة اليمنيين أقوى من محاولات الإخضاع والهيمنة. وستظل معركة الاستقلال الوطني مستمرة حتى تتحقق الحرية والسيادة، ويصبح القرار اليمني مستقلًا، وتُصان إرادة الشعب وثرواته بعيدًا عن الوصاية والتبعية.

إن ثورة 14 أكتوبر لم تكن مجرد حدث تاريخي انتهى برحيل المستعمر، وإنما محطة خالدة في مسيرة شعب قرر أن يكون حرًا في أرضه، مستقلًا في قراره، وسيدًا على ثرواته. وستبقى تضحيات أبطالها عهدًا في أعناق الأجيال، بأن اليمن لن يكون تابعًا لأحد، ولن يتنازل عن حقه في تقرير مصيره. فكما انتزع الأجداد الاستقلال بإرادتهم وتضحياتهم، فإن مسؤولية الأجيال اليوم هي صون السيادة، ورفض الوصاية، وبناء وطن يملك قراره ويصنع مستقبله بإرادة أبنائه.

You might also like