أثر إنتهاء مهمة التحالف الدولي على العراق بين الفراغ الأمني وإعادة أنتاج التهديد والفوضى المدارة..!!
إب نيوز ١٧ أكتوبر
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️المقدمة :
شكل إعلان انتهاء المهمة القتالية للتحالف الدولي في العراق نقطة تحول مزدوجة، فمن الناحية الرسمية، هو إستعادة لسيادة البلاد. ومن الناحية العملياتية، هو إختبار لقدرة الدولة على احتكار القوة المشروعة.
وبعد مدة قصيرة من الإنسحاب، سجلت محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين والأنبار عودة متزامنة لحوادث تتبع نمط الخلايا النائمة، عبوات ناسفة، تعرضات ليلية، جباية، وتهديد للفلاحين. وهذا التزامن الزمني فتح الباب أمام فرضيتين متناقضتين في الخطاب العراقي، فرضية العودة الطبيعية، وفرضية الرياح الدافعة الأمريكية المتعمدة.
فهل يمكن تفسير عودة الخلايا الأرهابية، كفعل مباشر مدفوع من الولايات المتحدة، أم كأثر غير مباشر للأنسحاب بهدف أنتاج فراغ أمني قابل للتوظيف؟
أولاً : نظرية الفراغ الأمني.
أن إنسحاب قوة متفوقة تكنولوجياً دون تعويض فوري بقوة محلية مكافئة لها ينتج فراغاً عملياتياً. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاً، بل تملؤه القوة الأكثر تكيفاً مع الجغرافيا، وهي في الحالة العراقية التشكيلات التي لا تحتاج للوجستيات كبيرة.
ثانياً : نظرية الفوضى المُدارة.
إدارة عدم الإستقرار في العراق أو التهديدات منخفضة الشدة” تقوم على مبدأ، لا تسمح فيه واشنطن بأنهيار الدولة الحليفة لها، ولا تسمح بأستقرارها بالكامل فتتحرر من حاجتها إليها. والمستوى الأمثل في مثل هذه الحالة هو تهديد أمني منخفض الشدة، عالي التكرار، يبرر العودة دون تحمل كلفة الأحتلال.
ثالثاً : قدرات التحالف الحاسمة.
إنتهاء مهمة التحالف الدولي يعني عملياً سحب ثلاث قدرات حاسمة.
1️⃣ القدرة الجوية المستمرة. فطائرات المراقبة الأمريكية كانت تغطي وادي حوران وحمرين والعظيم بمعدل 18 ساعة طيران يومياً. قيادة طيران الجيش العراقي لا تستطيع تعويض هذه الساعات بسبب نقص التسليح والصيانة والوقود.
2️⃣ القدرة الإستخبارية، فأعتراض إتصالات تنظيم داعش الأرهابي عبر الأقمار الصناعية كان حكراً على وكالة الأمن القومي الأمريكية. وبعد الإنسحاب عادت الدولة العراقية للإعتماد على المصدر البشري، وهو بطيء وقابل للكشف والأختراق.
3️⃣ قدرة سد الفراغ في المناطق المتنازع عليها، فالتحالف كان هو الطرف الثالث الذي يسيّر دوريات مشتركة بين الجيش والبيشمركة في جلولاء وداقوق وطوزخورماتو. وبإنسحابه، عاد التنازع الثنائي، وعادت معه المساحات الرمادية التي يتحرك فيها التنظيم.
وهذا التفكك يمنع إتخاذ قرار سريع لتوحيد قيادة العمليات بين بغداد وأربيل أو تمويل جهد إستخباري موحد، مما يطيل من عمر هذا الفراغ.
رابعاً : فرضية الدفع الأمريكي، بين الصناعة والتوظيف.
تستند فرضية الدفع الأمريكي المباشر إلى ثلاث قرائن، وهي تزامن عودة الخلايا مع الإنسحاب، ووقوع النشاط قرب قواعد لا تزال تحتوي على مستشارين أمريكيين كعين الأسد وحرير، وإستفادة واشنطن من بقاء التهديد كذريعة لرفض تسليح العراق بمنظومات بديلة.
إلا أن هذه القرائن لا تصمد أمام التحليلات الأخرى، لأنها ستحسب كفشل أستخباري، وتقاعس عسكري أمريكي متعمد، وهي من رفعت شعارات الحرب على الإرهاب.
لذلك، يمكن أن نقدم مفهوماً بديلاً هو “السماح بحدوث التهديد ثم إدارته”. فالولايات المتحدة لا تحتاج أن تعطي أمراً مباشراً لخلية في حمرين مثلاً. ويكفي أن تسحب منظومة الرصد التابعة لها وهي تعلم يقيناً أن الخلية ستتحرك ذاتياً. ثم توظف هذا التحرك سياسياً حتى أن إنتهاء مهمة التحالف الدولي المبكر سيكون خطراً كبيراً على العراق ونحتاج للبقاء بصفة أستشارية موسعة على أقل التقديرات.
بهذا المعنى، فإن ما تريده واشنطن ليس عودة خلافة داعش، بل بقاء ظل الخلافة يكفيها لتبرير وجود قاعدتين استراتيجيتين في غرب وشمال العراق، ويكفي أيضاً لمنع بغداد من الذهاب الكامل نحو محور تسليحي بديل، دون أن يصل إلى مستوى يهدد بأنهيار الدولة العراقية الحليفة لواشنطن.
وعلى ما يبدوا أن الإستراتيجية الأمريكية الحالية في ظل كل تلك المؤشرات تقوم على تحويل التهديد الإرهابي من خطر وجودي إلى أداة تفاوضية لإدارة أمن العراق المنقوص، وهذا ما تريده واشنطن تماماً.
▪️الخاتمة :
إن السؤال الصحيح ليس، هل أمريكا هي من تدفع الخلايا الإرهابية ؟ بل، لماذا لا تزال بنية الدولة العراقية بعد عشرين عاماً غير قادرة على منع خلية من خمسة أفراد من زراعة عبوة ناسفة أو فرض جباية على فلاح في ديالى إلا بوجود طائره أمريكية فوقها؟
حلقة الفوضى المُدارة والتهديد منخفض الشدة والأمن المنقوص تكفي لعودة الأمريكي في الوقت الذي يراه مناسب.
وبكيف الله.