اللواء الأخضر

أوثق أنواع الحب , هو الحب المنصهر بالرحمة .

 

إب نيوز 14 مارس

 

بقلم د.يوسف الحاضري

فعندما يوضح الله ان أهوال القيامة بضخامتها ورعبها وخوفها أشد نتائجها أن تترك الأم إبنها وتهرب أو ان تسقط جنينها من بطنها فهذا يعكس مدى أهمية الوقوف عند هذا الأمر للتدبر

 

عندما نتدبر آيات الله في القرآن تتضح لنا امورا كثيرة هامة جدا تفيدنا ونحن نتحرك في مسيرتنا الحياتية وعلى صراط الله المستقيم فيكون لنا زادا ومتاعا ولا خير من زاد التقوى , لذا سنقف قليلا اليوم عند أول آيتين من سورة الحج والتي فيهما امورا كثيرة على المستوى النفسي والمجتمعي والأخلاقي والعاطفي , فالله جل وعلا يقول فيها ( بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس أتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)

لن نخوض كثيرا في موضوع التقوى وجوانبه الهامة وفوائدة العميقة والسطحية والحالية والمستقبلية ولكنني سأخوض في جزئية الشطر الاول من الآية الثانية مرتبطا بالآية الأولى (يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها) , ففي الآية الأولى يوضح الله عظمة زلزلة الساعة وما فيها من أهوال ومن متغيرات جغرافية ومناخية كما وضحها في ايات كثيرة اخرى ك(اذا زلزلت الأرض زلزالها واخرجت الأرض اثقالها ) و (اذا السماء انفطرت واذا الكواكب اندثرت واذا البحار فجرت واذا القبور بعثرت ) و (اذا الشمس كورت واذا النجوم انكدرت واذا الجبال سيرت واذا العشار عطلت واذا الوحوش حشرت واذا البحار سجرت ) و ( يوم ترجف الراجفة ) و ( واذا السماء فرجت واذا الجبال نسفت) وغيرها من الآيات التي تصور المشهد المخيف جدا للانسان يوم تقوم الساعة من تفجر وتسعر البحار نيرانا هائلة وتشقق السماء وتساقطها وتناثر النجوم وطمسها وزوال الشمس مع القمر وتبعثر الجبال كعهن متطاير في الهواء وتشقق الأرض وغير ذلك من امور مرعبة ترتقي في ما تنتجه من خوف إلى منزلة من خلقها وخلق كل شيء الى مستحق مسمى العظيم الجبار القوي العزيز , لذا فإن كل هذه الأمور بطبيعة الحال ستنتج خوفا ورعبا تنزع قلوب الناس نزعا وتجتاحهم أجتياحا , فصوره الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات بأمر معين لتقريب الصورة للعقول البشرية ليتقوا الله وليحذروا مثل هذا اليوم الذي لا يخلقه ولا يصنعه ولا يوجده الا الله وحده فكان ان اعظم شيء قد يمر على الإنسان من خوف هو ( ان ترمي الأم إبنها وتتركه ليواجه مصيره وهي تسعى هنا وهنا عل وعسى ان تنقذ نفسها ) رغم استحالة ذلك ولكن هكذا الرعب جعل من الناس وايضا تجد مافي بطنها من جنين عبئا ثقيلا عليها سيعرقلها وهي تهرب وتفر هنا وهناك فتجهضه لتخف حركتها , دعونا نتوقف قليلا عند هاتين الصورتين ونقتبس منهما آيات وموجهات عديدة وذلك كالتالي :-

– حب الأم لإبنها في مرحلة الإرضاع هي أرفع مراحل الحب على الوجود لأنه مرتبط بالرحمة والشفقة والرأفة لذا وضع الله هذه الصورة كأشد ما يمكن ان يحصل عندما تحدث هذه الكوارث يوم القيامة والامر ينطبق على بقية الحيوانات التي ترضع مواليدها لذا جاءت الصورة (كل مرضعة) ولم يقل كل والده او كل أم لعدة اسباب اهمها ان في عالم الحيوان بمجرد ان يكبر الابن يصبح ندا للام وربما يتزوج بها او او فلا تبقى مشاعر الرأفة والعاطفة ايضا عوضا عن عشق الأمهات الحوامل لاجنتهن في ارحامهن فيحافظن عليه بكل ما يستطعن ان يحافظن عليه لذا جاءت الصورة ( وتضع كل ذات حمل حملها).
– استخدم الله ايضا الرأفة والرحمة والشفقة الأنثوية وهي التي ترتقي الى مكانة لا يمكن ان يصل اليها الرجل لاسباب سيكولوجية وفسيولوجية والتي ستتلاشى هذه الرحمة والرأفة والحب في موقف كهذا .
– في الظروف العادية سنجد الأم تعتني برضيعها وتحافظ عليه بكل ما تستطيع حتى لو لزم الأمر تموت لينجو (كما رأينا وقائع عديدة في اليمن عندما يقصف العدو بيتا ماهولا بالسكان نجد الأم وقد مزقها الصاروخ وهي جاثية على ابنها او ابنتها ) اي تقدم روحها لحياة ابنها ولكن عند لحظات ما قدره الله ليكون في يوم القيامة فهنا تتلاشى كل هذه المشاعر جذريا رغم ان الام هي الام وان الإبن هو الإبن وهذه لها دلائل عميقة جدا وهي أن الحب المفعم بالعاطفة والرأفة يجب ان يكون له اساس قوي وهو (اتقوا ربكم) و له هدف معين ( قوا انفسكم واهليكم نارا) لأن ما دون هذين الامرين فلا يسمى حبا حقيقيا وحبا منجيا من اهوال القيامة ولا من عذاب الآخرة (يوم يفر المرء من ابيه وامه واخيه وصاحبته وبنيه)
– كما اننا قلنا ان هذا الحب هو أعظم انواع الحب فإنه ايضا يتلاشى في لحظات المقياس الإلهي سواء في اهوال القيامة او في ساحات المعشر مالم يرتبط بموجهات الله في صقل هذا الحب ك(التقوى) والدفع الى النجاة من النار من خلال تأهيل من تحب ليكون بناء في الحياة الدنيا بما يريده الله عز وجل .
– ايضا قضية اخرى توضح لنا هذه الاية ان الام هي أكثر انسان يحب ابناءها ولا يوجد لها مثيل او مقارنة لذا يت

وجب على الابناء ان يبروها ويحترموها ويجلوها ويقدسوها في كبرها وهذا ما أصله الله في وضعها كصورة لتمثيل أي هول ستصنعه أحداث يوم القيامة !!

من هذه الدروس والتدبر نستخلص توجيهات عديدة في علاقاتنا مع الله بأن الحب الحقيقي هو المرتبط بالله وتوجيهاته فهو الذي سيقينا من كل اهوال ومصائب في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد , وايضا ان الأم وبرها واحترامها وتوقيرها يجب ان يكون اقل ما نقوم به كرد فعل عاطفي تجاهها وتجاه ما تمتلكه وامتلكته لنا في قلبها والذي لا يمكن ان ينزعه الا اهوال كأهوال يوم القيامة .

#د_يوسف_الحاضري

You might also like
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com