بين مبدأ الولاء وواجب النقد.. «العراسي» والمسار الشائك

إب نيوز 10 فبراير

فهد شاكر أبوراس

في مسيرة النضال الوطني التي شقت طريقها بعزيمة أبنائها المخلصين، برز صوته كصرخة حق في وادٍ يبدو أحياناً مليئاً بأصوات الباطل والانتهازية.

لم يكن حديثه عن الفساد هدماً للمشروع القرآني والوطني العظيم، ولا تشكيكاً في نُبل «المسيرة»، بل كان فعل حب شديد وغيرة صادقة على المشروع القرآني من أن ينخره سوس الفاسدين والانتهازيين ممن يجدون في زمن المحن والاضطرابات فرصة ذهبية للثراء غير المشروع وإقامة إمبراطوريات للمصالح الشخصية على حساب دماء الشهداء ومعاناة الأرامل والأيتام.

لم ينتقد العراسي الفكرة، إنما انتقد أولئك الذين يشوهونها. لم يهاجم المبدأ، بل هاجم كل من يحاولون اختطاف المبدأ ليجعلوه غطاءً لممارساتهم التي تتنافى مع أبسط قيم العدل والشفافية التي قامت من أجلها المسيرة.

عرفته منحازاً للحقيقة بجرأة نادرة. كان يذكرنا دائماً بأن الثورات الكبرى لا تهددها سيوف الأعداء فقط، بل قد تنهار من الداخل إذا تسلل إليها الفساد وتغلغل بين هياكلها أولئك الذين لا همّ لهم إلا ملء جيوبهم تحت أي شعار.

أن أخطر ما يواجه المشروع الوطني ليس العدوان الخارجي فحسب، بل «العدوان الداخلي» المتمثل في أولئك المسؤولين الفاسدين والفاشلين الذين تسلقوا على أكتاف التضحيات ليحولوا مواقع المسؤولية إلى منصات للنهب والاستئثار بالخيرات.

في مقالاته التي تشبه صيحات الإنذار، لم يقل «ارحلوا» للمشروع، بل قالها للفساد وللفاسدين.

لقد ميّز بوضوح لا لبس فيه بين الجوهر والمظهر، بين الثابت الذي نناضل من أجله، والمتغير الذي تسلل إلينا وعلينا تطهير أنفسنا منه.

حتى أن هؤلاء الفاسدين، في تحليلاته، لا يمثلون المسيرة أبداً، بل هم أعداء لها في الداخل؛ لأن أفعالهم تشوِّه سمعتها وتجعلها عرضة للنقد وتسلبها شرعيتها الأخلاقية التي هي أقوى سلاح تمتلكه في مواجهة خصومها.

إن معركتنا الحقيقية هي معركة على الروح، معركة لإنقاذ المشروع الوطني من أولئك الذين يحاولون اختزاله في مجموعة من الأشخاص والمصالح الضيقة، بدلاً من أن يكون تجسيداً لإرادة شعب تواق للحرية والكرامة والعدالة.

إن سردية خالد العراسي، التي ترفض الإساءة للمسيرة بينما تضرب بقوة على أوتار الفساد، ليست سردية تلفيقية أو محاولة للتوفير بين متناقضين، بل هي سردية دقيقة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة. إنها دعوة صريحة وواضحة لإطلاق عملية تصحيح داخلية شجاعة، لاستئصال الورم قبل أن يستشري في الجسد كله.

إنه يتحدث بلسان الملايين من المؤمنين بالمسيرة الذين يؤلمهم ما يرونه من انحرافات هنا وهناك، والذين يخشون أن تتحول أحلامهم العظيمة إلى كابوس بسبب قلة فاسدة.

إن صمته كان سيكون جريمة، وكلمته أصبحت واجباً وطنياً. كيف يمكن لنا أن ندافع عن مشروع ضد أعدائه في الخارج، بينما نغض الطرف عن أعدائه في الداخل الذين يضرونه أكثر؟!

هذا هو السؤال المحوري الذي يلح عليه العراسي، وهو يسدد سهام نقده نحو مراكز الفساد، مذكراً بأن السمعة التي يبنيها الشهداء بدمائهم، يمكن أن يهدمها الفاسدون في دقائق بفضائحهم وأطماعهم.

لذلك، فإن التضامن مع خالد العراسي ليس تضامناً مع شخص فقط، بل هو تضامن مع الفكرة التي يجسدها؛ فكرة أن الوطن أغلى من أي فرد، وأن المبدأ أسمى من أي مصلحة، وأن السماح للفساد بالبقاء باسم حماية المشروع هو في الحقيقة أعظم خطر على هذا المشروع.

إن اعتقاله أو التضييق عليه رسالة خطيرة تهدف إلى إسكات كل صوت حر شجاع، وإلى ترسيخ ثقافة الخوف والإذعان.

إن قضية خالد العراسي أصبحت مقياساً للإخلاص الوطني، ومرآة تعكس إيماننا الحقيقي بقيم المسيرة التي ننشدها.

والدفاع عنه هو دفاع عن الفرصة الأخيرة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

لقد قدم الرجل نموذجاً للنقد الذي ينبع من الحب والحرص، لا من الكراهية والتخوين، ووضع يده على الجرح الذي يتجاهله الكثيرون.

إن تاريخ الأمم يُكتب بأقلام الشرفاء أمثاله، الذين يرفضون الانحناء للظلم حتى عندما يأتي من الداخل، والذين يذكروننا دوماً بأن المعركة ضد الفساد هي المعركة الأم التي تحفظ معنى كل التضحيات.

فلنكن جميعاً خالد العراسي في مواقفنا، ولنرفع صوته عالياً، فهو ليس صوت رجل واحد، بل هو صرخة أمة تريد أن تبني وطنها على أساس متين من الحق والعدل، بعيداً عن فساد الفاسدين وانتهازية الانتهازيين.

You might also like