الشفافية كخديعة: ماذا تخفي وثائق إبستين خلف ما تكشفه؟!

الشفافية كخديعة: ماذا تخفي وثائق إبستين خلف ما تكشفه؟!

إب نيوز ١٦ فبراير

فهد شاكر أبوراس

في زمن اختلط فيه الفضحُ بالتمويه، وصار التسريبُ فنًّا من فنون إدارة الأزمات لا كشفًا للحقيقة، تبرزُ قضيةُ المجرم جيفري إبستين كأحد أكثر المِلفات إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

ليست الجرائم البشعة التي هزَّت الضميرَ العالمي وحدَها هي ما يصدم، بل الطريقة التي تُدار بها عملية كشف الحقيقة ذاتها، وكأن العدالة تخضع للمنطق الإجرامي نفسه الذي يفترض بها أن تحاربه، وكأن الشر في شكليه الفردي والمؤسّسي يتعاونان معًا لإنتاج عالم لا يعرف الحدود بين الجريمة والعقاب.

أهوال الجزيرة وطقوس الانحراف

الوثائق المسرَّبة كشفت عن تفاصيلَ لا يمكن تصوُّرُها في جزيرة المجرم إبستين الخَاصَّة، ذلك المكانُ الذي لم يكن مُجَـرّد وكرٍ للاغتصاب المنظَّم للقاصرات، بل تحوَّل إلى مسرحٍ لطقوس دموية تضمَّنت تقديمَ أطفال كقرابينَ في طقوسٍ شيطانية، وشفط دماء الضحايا وشربها، والاتجار بأعضائهم البشرية.

جرائمُ لم تكن فرديةً، بل شاركت فيها نُخبةٌ سياسية واجتماعية من أمريكا وبريطانيا وأُورُوبا، وبعض المترفين من أبناء أمتنا، في فضاء معزول تحرّروا فيه من أي وازع أخلاقي أَو ديني، ليمارسوا أبشع أشكال الإجرام بحق القاصرات في صمت مطبق استمر لعقود.

خديعة “تفريغ الشاحنة” والشفافية الشكلية

المفارقةُ الأكثرُ إثارةً للانتباه تكمُنُ في الطريقة التي تعاملت بها وزارة العدل الأمريكية مع ملف القضية، عبر طبقات متداخلة من الخداع البيروقراطي:

حجب الملايين: أعلنت الوزارة التزامها بالشفافية، لكنها أخفت حوالي 2.5 مليون وثيقة وصنفتها إما “مفقودة” أَو “سرية للغاية”.

الخيانة المتجددة: تم حجب أسماء العديد من المتورطين من النخبة بحجّـة الخصوصية، بينما نُشرت تفاصيل الاتصال بأكثر من 40 ضحية “عن طريق الخطأ”، مما عرض حياتهن للخطر.

تم نشر 3.5 مليون صفحة دفعة واحدة، وهي الاستراتيجية المعروفة في علم الاتصال السياسي بـ”تفريغ الشاحنة”؛ والهدفُ هو إخفاءُ “الإبرة الحسَّاسة” وسطَ كومة قَش ضخمة، حَيثُ يصبح العقل البشري عاجزًا عن فرز وتدقيق هذه الكميات، فيشعر الرأي العام بأنه “عرف كُـلّ شيء” بينما الحقيقة العميقة لا تزال مدفونة.

تحصين النظام وتدويل الفضيحة

تتحول وثائق إبستين من كونها دليلًا على الإجرام إلى كونها دليلًا على براعة النظام في حماية نفسه.

وهذا يثير أسئلة جوهرية: من هم الذين دفعوا ثمنًا باهظًا لإبقاء 2.5 مليون وثيقة في الظل؟! ما طبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء بأجهزة الاستخبارات الغربية؟ وكيف تدار الأزمات بحيث تصبح الفضيحة مُجَـرّد مشهد إعلامي يتم احتواؤه؟

تداعيات القضية لم تبقَ محصورة في أمريكا، بل كشفت أبعادًا دولية صادمة:

استقالة وزير الثقافة الفرنسي الأسبق “جاك لانغ”.

استقالة مستشار الأمن القومي السلوفاكي.

فتح تحقيق جنائي مع وزير بريطاني نافذ.

اعتذار علني من الأميرة النرويجية “ميت ماريت”.

تبقى جزيرة إبستين الشيطانية رمزًا مزدوجًا؛ ترمز إلى وحشية الإنسان عندما يتحرّر من القيود الأخلاقية، وإلى وحشية النظام عندما يتحرّر من القيود القانونية.

إن وثائق المجرم إبستين ليست مُجَـرّد شهادة على سعي أعداء الإنسانية للإفساد في الأرض، بل هي أَيْـضًا شهادة على تطور أدوات هذا الإفساد؛ فلم يعد المطلوب فقط ارتكاب الجريمة، بل التحكم في طريقة روايتها، وتوجيه مسار الغضب الناتج عنها.

You might also like