وهم الهيمنة: قراءة في تحولات موازين القوى في الشرق الأوسط
إب نيوز ١٨ يونيو
………………
ا. د/محمد فاضل الفقيه
…………………………..
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، بات من الواضح أن السردية التقليدية حول “الانتصار الأمريكي المطلق” في الشرق الأوسط لم تعد صامدة أمام اختبار الواقع. إن محاولة قراءة الأحداث الأخيرة، وتحديداً في ظل الإدارة التي قادها دونالد ترامب وتداعياتها الممتدة، تكشف عن فجوة كبيرة بين الطموحات الأمريكية وبين النتائج الفعلية على الأرض، وهو ما يضع فرضية “الانتصار” في خانة الخداع الاستراتيجي.
لقد وضعت الإدارة الأمريكية أهدافاً استراتيجية طموحة، على رأسها إسقاط النظام في إيران، وتفكيك برنامجها النووي، ومنع أي قدرة على التخصيب. وبعد سنوات من سياسة “الضغوط القصوى”، نجد أن تلك الأهداف قد تبخرت؛ فلم يسقط النظام، بل تعززت قدرات إيران النووية التكنولوجية، وباتت عتبة التخصيب أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق. إن هذا الفشل في الأهداف الجوهرية يعكس سوء تقدير عميق لطبيعة الدولة الإيرانية ومرونة محورها الإقليمي.
ولم يقتصر التراجع الأمريكي على الملف النووي، بل امتد ليشمل أمن الممرات المائية الحيوية. فبدلاً من إحكام القبضة على مضيق هرمز، أفضت السياسات المتوترة إلى واقع جديد أصبحت فيه إيران تفرض شروطها، ملوحةً بفرض “رسوم خدمات” في المضيق. هذا التحول يمثل اعترافاً ضمنياً بتغير موازين القوى البحرية، حيث انتقلت المبادرة من القوة العظمى المعتمدة على أساطيلها إلى القوة الإقليمية التي تمتلك أوراق الضغط المباشرة.
إن عقدة المقارنة الرقمية بين اتفاق عهد أوباما (14 مليار دولار كإفراجات مالية) والواقع الحالي (24 مليار دولار) تشير إلى انزياح جوهري في مراكز الثقل. لم تعد أمريكا تتعامل مع إيران كدولة معزولة، بل أرغمتها الظروف على التعامل مع “وحدة الساحات” ككتلة متكاملة. هذا التطور الاستراتيجي يعني أن إيران نجحت في نقل المواجهة من صراع ثنائي إلى صراع إقليمي شامل، حيث تترابط جبهات “محور المقاومة” لتشكل جداراً دفاعياً وهجومياً يصعب اختراقه أو تجزئته.
وربما تكون الخسارة الأكبر للولايات المتحدة هي تلك التي تتعلق بـ”صورة القوة”. إن إدراك الحلفاء الإقليميين لواشنطن بأنها غير قادرة على حماية مصالحهم – أو حتى حماية أمنها الخاص في مواجهة تكتيكات إيران وحلفائها – قد خلق أزمة ثقة بنيوية. لم تعد واشنطن تمثل المظلة الأمنية الموثوقة التي كانت عليها في العقود السابقة، مما دفع العديد من القوى الإقليمية لإعادة حساباتها والبحث عن توازنات جديدة بعيداً عن الرعاية الأمريكية التقليدية.
إن التصديق بأن أمريكا خرجت منتصرة من هذا الفصل من المواجهة هو قراءة تبتعد عن الواقع الميداني والسياسي. فالعالم اليوم يدرك بوضوح أن موازين القوى قد اختلت؛ حيث أثبتت إيران قدرتها على الصمود والتحول إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، بينما لا تزال الإدارة الأمريكية تتخبط بين شعارات القوة وبين عجزها عن فرض رؤيتها على أرض الواقع. إنها مرحلة مفصلية تؤكد أن حقبة الهيمنة المنفردة قد ولت، لتحل محلها حقبة التعددية الإقليمية التي تفرض منطقها على الجميع.