ميثاق الدم : أثر تشييع السيد علي الخامنئي على أرض المرجعية في الوجدان الشيعي..!!
إب نيوز ٢ يوليو
غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.
« جثمان القائد والوزن الحضاري ورسم الجغرافية الرمزية للتشيع السياسي»
▪️ المقدمة :
يشكل تشييع جثمان سماحة الولي الفقية السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه، في العراق حدثاً أستثنائياً من حيث الدلالة والرمزية، فالعراق، بوصفه أرض المراقد والعتبات المقدسة وقلب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، لا يمكن أن يكون مجرد مكان للتشييع فقط، بل هو فضاء رمزي يتقاطع فيه المقدس بالسياسي، والطقس بالهوية، والموضع الجغرافي بالمعنى الحضاري للأمة.
ومن هنا يرتكز جوهر هذه الورقة البحثية على ثلاثة أسئلة محورية…
ما علاقة تشييع الولي الفقية بمكانة النجف الاشرف والعتبات المقدسة؟
وما دلالته الطقوسية والحضارية إلى جانب رسالته السياسية والإقليمية؟
وما أثر إغتيال شخصية بهذا المستوى على الوجدان الديني والسياسي لأمة المنطقة؟
أولاً: السيد علي الخامنئي (الشخصية والقيمة)
1️⃣. القيمة الدينية :
السيد الخامنئي هو ثاني “ولي فقيه” في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الإمام الخميني رضوان الله عليهما، ومنصب ولاية الفقيه في الفكر السياسي الشيعي يجمع بين مرجعية الدين وقيادة الدولة، فهو رضوان الله عليه يمثل السلطة الشرعية والسياسية في وقت واحد.
ومن هنا تتحول شخصيته إلى رمز ديني جامع للشرائط يتجاوز الحدود القومية، ويحمل مشروعاً عقائدياً يقوم على فكرة المقاومة والأستقلال ونصرة المستضعفين ورفض الهيمنة.
لذا، فإن الاستهداف الجسدي لشخصه رضوان الله عليه، لا يُقرأ ک حدث فردي، بل كأستهداف لرمز ديني حاضر في وجدان ملايين الشيعة في العالم.
2️⃣. القيمة السياسية :
خلال أكثر من ثلاثة عقود من القيادة الدينية والسياسية ، كان السيد الخامنئي رضوان الله عليه المهندس الأبرز “لمحور المقاومة” ولقد رسخ فكرة أن المواجهة مع المشروع الأمريكي والإسرائيلي لا تتم عبر الدولة وحدها، بل عبر شبكة من القوى الشعبية والعقائدية العابرة للحدود.
وبهذا المعنى، فإن إغتيال هذه الشخصية يعني أستهداف رأس إستراتيجية سياسية قائمة على العمق الشعبي والعقائدي لا على الجيوش النظامية فقط.
3️⃣. القيمة الحضارية :
ينتمي السيد الخامنئي رضوان الله عليه إلى جيل الحوزة والخطابة والتشريع، وهو وريث التشيع السياسي وحامل رأيته، حيث كانت نواته الأولى في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
وقد شكلت خطاباته حول القدس والأستقلال والممانعة جسراً بين إيران الشيعية الفارسية والعالم العربي الشيعي، ومن ثم فإن حضوره حضارياً يتجاوز البعد الإيراني الضيق إلى بُعد إسلامي شيعي أوسع، يجعل من تشييعه في العراق إعادة ربط رمزية بين “إيران الثورة” وعراق المرجعية.
ثانياً: الإجابة عن الأسئلة المحورية.
• السؤال الأول: ما هي علاقة تشييع جثمانه الطاهر في العراق بمكانة النجف والعتبات المقدسة؟
إن إختيار العراق مسرحاً للتشييع هو أعتراف عملي بمكانة النجف الأشرف بوصفها “أم الحواضر الشيعية” ومركز الحوزة العلمية.
فمرور جثمان القائد والولي الفقيه عبر الكوفة والنجف وكربلاء يحول الحدث من جنازة إلى موكب طقوسي عابر للحدود، تلتقي فيه الجموع الجماهيرية في مسار واحد.
وهذا يضفي على النجف الأشرف والعتبات المقدسة شرعية مكانية مضاعفة، ويعيد تأكيد أن مركز الثقل الشيعي الروحي والتاريخي لا يزال في النجف، حتى مع صعود الدور السياسي لطهران. وهو ما يرسخ وزنه الحضاري في ذاكرة الأمة.
• السؤال الثاني: كيف يمكن فهم الدلالة الطقوسية لهذا الحدث إلى جانب رسالته السياسية والإقليمية؟
إن للتشييع في الثقافة الشيعية طقوس خاصة «الرايات والمسير والحزن» وهذه الطقوس تمنح الحدث بُعداً تعبدياً جماعياً.
لكن في السياق الإقليمي، يتحول الطقس إلى رسالة سياسية مباشرة، فصورة الملايين التي تسير خلف نعش القائد هي رد عملي على الإغتيال، ومضمونها أن قتل الجسد لا يقتل الرمز، بل يضاعفه. وهي إستعادة لمعادلة ”انتصارا الدم على السيف“ وأن الحزن الجماعي ينتج ولاء شديد الصلابة.
وفي السياق الدولي، يشكل التشييع إستعراض قوة ناعمة لمحور المقاومة أمام واشنطن وتل أبيب، ورسالة للداخل العراقي بأن من يملك الجنازة يملك تأويل المرحلة المقبلة.
• السؤال الثالث: ما هو أثر إغتيال شخصية بهذا المستوى على الوجدان الديني والسياسي للأمة الشيعية؟
على الصعيد الديني، الإغتيال يحول القائد إلى “شهيد الولاية”. فتذوب الخلافات الفقهية والسياسية السابقة، ويبقى الرمز المقدس وحده. وهذا ينتج تعبئة عاطفية جيلية، ويخلق سردية دائمة تُستخدم في التربية الدينية والسياسية والحضارية.
على الصعيد السياسي، الإغتيال لا يفكك المحور، بل يمنحه “ميثاق دم” جديد، فكل فصيل من فصائل محور المقاومة سيعلن أنه وصي على دم القائد، مما يطيل عمر المشروع ويزيد من حدته.
▪️الخاتمة :
إن تشييع السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه، في العراق وعلى أرض المرجعية، لن يكون مجرد طقس جنائزي تقليدي بل سيكون إستفتاءً رمزياً على موقع العراق بين ”النجف الأشرف وقم المقدسة“ ورسالة إقليمية بأن الإغتيال يصنع الرموز و لا ينهي المشاريع، وتأكيداً حضارياً على أن النجف وكربلاء هما العاصمة الرمزية للتشيع السياسي.
وبكيف الله.