نموذج العمل التنموي المتكامل التنمية القائمة على هدى الله..(الحلقة الأولى)
نموذج العمل التنموي المتكامل
التنمية القائمة على هدى الله..(الحلقة الأولى)
إب نيوز 3 سبتمبر
محمد صالح حاتم
لم تعد التنمية مجرد إنشاء مشاريع أو ضخ أموال وتنفيذ خطط اقتصادية، بل هي عملية متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع والاقتصاد على أسس تضمن الاستمرار والاستدامة. ومن هنا تأتي التنمية القائمة على هدى الله بوصفها أول مبادئ العمل التنموي وأحد مرتكزات نموذج العمل التنموي المتكامل، فهي المنهج الذي يضبط حركة الإنسان في الاقتصاد والإنتاج والعمل، ويجعل التنمية وسيلة لإعمار الأرض وخدمة الإنسان.
فالتنمية القائمة على هدى الله ليست شعارات دينية، وإنما منظومة من القيم والمبادئ المستمدة من التوجيهات القرآنية، تنظم علاقة الإنسان بالمال والعمل والإنتاج والمجتمع. وهي تنمية تقوم على الحلال، وترفض الربا والغش والاحتكار والقمار وكل أشكال الكسب التي تقوم على استغلال الناس أو الإضرار بالمجتمع.
إن حضور هدى الله في التنمية يعني الالتزام بالقيم القرآنية في التخطيط والإنتاج والاستثمار والتسويق، وفي توزيع الثروة وتحقيق التكافل الاجتماعي. كما يعني توعية الناس بأداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله، باعتبارهما جزءاً من منظومة تحقق التكافل ومساندة المحتاجين، وتسهم في نشر البركة والخير وحسن استثمار الموارد.
وتقوم هذه التنمية على الإخلاص والأمانة والإتقان، باعتبارها قيماً أساسية في العمل. فالعامل والمزارع والتاجر والمسؤول شركاء في عملية التنمية، وكل منهم مسؤول عن أداء دوره بأمانة. ومن هنا تصبح جودة الإنتاج قيمة أخلاقية قبل أن تكون مطلباً اقتصادياً؛ فإتقان المزارع لعمله، وجودة صناعة المنتج، وصدق التاجر مع الناس، كلها صور للأمانة والإحسان والمسؤولية.
وفي هذا السياق، يمثل سلاح المقاطعة الاقتصادية أحد المواقف التي ينبغي الالتزام بها، لأن شراء منتجات الأعداء يعني دعم اقتصاداتهم بالأموال، وهي أموال التي تعزز قدراتهم الاقتصاديةوالعسكرية ويستخدمونها في قتل المسلمين،ولذلك يجب أن تكون المقاطعة من منطلق إيماني واخلاقي،وكذلك منطلقاً لتعزيز الإنتاج الوطني، وتشجيع الاستثمار في الصناعات المحلية، وإيجاد البدائل القادرة على تلبية احتياجات المجتمع بجودة منافسة، لتتحول المقاطعة من مجرد امتناع عن الشراء إلى مشروع اقتصادي يدعم الاعتماد على الذات.
ومن هنا يجب النظر إلى الزراعة والصناعة والإنتاج باعتبارها ميادين للعمل والجهاد والمسؤولية الوطنية؛ فالزراعة تسهم في تحقيق الأمن الغذائي، والصناعة توفر احتياجات المجتمع وتقلل الاستيراد، والإنتاج يعزز استقلال القرار الاقتصادي ويحرر الوطن من الحاجة والتبعية. وكل يد تعمل بإخلاص في الأرض أو المصنع أو البحر تسهم في بناء اقتصاد أكثر قوة وقدرة على الصمود.
كما تنطلق التنمية القائمة على هدى الله من أن المال مال الله والإنسان مستخلف عليه، فهو مسؤول عن طريقة كسبه وإنفاقه واستثماره. ولذلك يجب أن يكون المال وسيلة للإعمار والإنتاج وتحقيق النفع، لا أداة للاحتكار والإفساد أو استنزاف الموارد، مع مراعاة مسؤوليتنا تجاه المجتمع والأجيال القادمة.
وتقوم هذه التنمية أيضاً على التراحم والتعاون والتكافل وحب الخير للآخرين، فالمجتمع الذي تسوده الأنانية والاستغلال يصعب عليه بناء اقتصاد مستقر، بينما يستطيع مجتمع يتعاون أفراده ويتحمل كل منهم مسؤوليته أن يحول الإمكانات المحدودة إلى إنجازات كبيرة.
إن التنمية التي نحتاجها ليست تنمية أرقام وموازنات ومشاريع فقط، بل تنمية تبني الإنسان قبل البنيان، وتغرس فيه الأمانة والإخلاص والإتقان، وتشجعه على العمل والإنتاج، وتربط الاقتصاد بالقيم، والثروة بالتكافل، والملكية بالاستخلاف.
وهكذا تأتي التنمية القائمة على هدى الله بوصفها أول مبادئ العمل التنموي، لأنها تمنح التنمية بوصلتها الأخلاقية والقيمية، وتجمع بين الإيمان والعمل، والإنتاج والعدل، والتكافل والمسؤولية، لتتحول التنمية من نشاط مادي مجرد إلى مشروع حضاري متكامل يسهم في بناء الإنسان والوطن.