هندسة قادة بلا سيادة: أبعاد شبكة إبستين كآلة استخباراتية صهيونية

إب نيوز 11 مارس

فهد شاكر أبوراس

لم تكن قصةُ جزيرة إبستين مُجَـرّدَ فضيحة جنسية عابرة، بل كانت المختبرَ السريَّ الذي أعاد تشكيل الضمير الإنساني لصالح مشروع استعماري استيطاني، حَيثُ تحول الأفراد فيها إلى أدوات صماء في لعبة كبرى تم التخطيط لها بعناية على مدى عقود، لتكشف عن واحدة من أكثر عمليات الهندسة السياسية دمويةً وتنظيمًا في التاريخ الحديث.

والبداية من الاصطياد بالتجارة والتوريط بالجرائم الكبرى، حَيثُ مثلت مرحلة ما قبل الجزيرة “التمكين المسموم”، فلم يمنح إبستين وأعوانه هؤلاء التجار والسياسيين أموالا فقط، بل منحوهم شرعيةً اجتماعيةً واقتصاديةً زائفة ليصنعوا منهم شخصيات عامة تبدو ناجحة، لكن الثمن الخفي كان يتضاعف أثناء بناء ثرواتهم، حَيثُ كان يتم توريطهم تدريجيًّا في أخطر الجرائم كالاتجار بالأعضاء البشرية والمخدرات وغيرها، وهذه الجريمة تم اختيارها بدقة لأنها تجعل مرتكبها خارجًا عن الإنسانية تمامًا، وبمُجَـرّد توثيق هذه اللحظات يصبح هؤلاء الأشخاص ملكًا خاصًا لمن يملك هذه المِلفات.

ثم يأتي الدور على الجزيرة، حَيثُ ينتقل المسار من التوريط إلى إعادة الخلق، فعندما يُرغم الإنسان على ارتكاب أفعال وحشية وتوثيقها، فإنه لا يرتكب جُرمًا فقط، بل يشهد على تدمير روحِه بيديه، وهذه المرحلة تحول الإنسان إلى كيان بلا رادع داخلي، والصور التي تلتقط هناك لم تكن مُجَـرّد وسيلة ابتزاز، بل كانت طقوس عبور نحو عالم جديد لا أخلاق فيه، وهنا تصل الحبكة إلى ذروتها السياسية عندما يتم صعود هؤلاء الأشخاص بعد تدميرهم أخلاقيًّا إلى سدة الحكم في أنظمة غربية وعربية.

الوثائق التي كشفت عنها التحقيقات أظهرت أن شبكة إبستين لم تكن مُجَـرّد شبكة دعارة نخبوية، بل كانت آلة نفوذ ثلاثية الأبعاد تعمل بالمال والسياسة والجنس لصالح مشروع استخباراتي معقد.

وقد تضمنت المِلفات محادثات صريحة بين إبستين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ورد فيها ذكر “الموساد” أكثر من مرة، حَيثُ طلب إبستين من باراك أن “يوضح بشكل صريح بأنه لا يعمل لمصلحة الموساد”، في إشارة إلى طبيعة العلاقة الوثيقة التي تربط الرجلين، والتي لم تكن مُجَـرّد صداقة عابرة بل شراكة استراتيجية.

الهدف الرئيسُ من هذه العملية لم يكن جمع المال، بل كان توجيه مسار التاريخ نفسه من خلال التغلغل في أعتى القرارات السيادية، ولعل أبرز مثال على ذلك العلاقات الوثيقة التي تربط تيري رود لارسن، المهندس الرئيسي لاتّفاقيات أوسلو عام 1993، بشبكة إبستين.

الوثائق الجديدة كشفت أن هذا الدبلوماسي النرويجي، الذي لعب دورًا محوريًّا في عملية السلام التي خدعت الفلسطينيين، كان متورطًا في علاقات مالية وشخصية مع إبستين، حَيثُ قام بتسهيل الحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة لنساء شابات في دائرة إبستين.

هذه الشبكة لم تكن مُجَـرّد أدَاة لابتزاز السياسيين فقط، بل كانت تعمل على تمكين رأسمالي احتكاري يصب في تكريس استغلال الشعوب المستضعفة، وقد امتد نفوذها ليشمل منطقة الخليج العربي، حَيثُ كشفت الوثائق عن محاولات اختراق النخب السياسية والاقتصادية، ومن أبرز ضحايا هذه العلاقات سلطان أحمد بن سليم، رئيس موانئ دبي العالمية، الذي اضطر للاستقالة من منصبه بعد ظهور اسمه في الملفات، حَيثُ كشفت رسائل إلكترونية عن علاقة استمرت لسنوات بين الرجلين.

مشروع صناعة “قادة بلا سيادة” هو الهدف الرئيس، حَيثُ تم تجريد هؤلاء القادة من إرادتهم الحرة قبل وصولهم إلى كراسي الحكم، وظلوا أسرى ماضيهم الأسود طوال مسيرتهم السياسية، مما جعلهم أدَاة طيّعة لتنفيذ مخطّط التوسع الصهيوني.

وعندما ننظر إلى القرارات المصيرية التي اتخذتها أنظمة عربية وغربية على مدى العقود الماضية – من التنازل عن الحقوق، إلى التطبيع، إلى المشاركة في مشاريع إقليمية تخدم الأجندة الصهيونية – نرى يد هذه الشبكة الخفية تمتد من خلف الكواليس.

إنها قصة هندسة سياسية بامتيَاز، تبدأ بالتوريط مُرورًا بالتدمير النفسي وُصُـولًا إلى التوظيف السياسي، لتتحول الفضائح الأخلاقية إلى وقود يحرك عجلة المشروع الاستعماري الاستيطاني في المنطقة، ويحول الإنسان في النهاية إلى مُجَـرّد أدَاة صماء في معادلة جيوسياسية كبرى لا ترحم.

You might also like