زيف الهيمنة: حينما يسقط “الجنون” في فخ الواقع

 

إب نيوز ٢١ يونيو

ا.د محمد فاضل الفقيه

في مشهد دولي يتسم بالاضطراب، بدا وكأن السياسة الأمريكية قد انحرفت عن مسار الدبلوماسية لتغرق في أوهام القوة المطلقة. لقد شهد العالم سلسلة من التهديدات غير المسبوقة التي طالت الجغرافيا والقارات، من التلويح بغزو كندا، إلى التهديد باحتلال كوبا وجرينادا، وصولاً إلى اختطاف رئيس فنزويلا، ومحاولات استباحة الأرض بشراء غزة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى إعلان الحرب على إيران، في محاولة يائسة لفرض أجندة لم تجلب سوى المزيد من الانكشاف لضعف الإرادة السياسية الأمريكية.

إن هذا المسلك، الذي يمكن وصفه بـ “الجنون السياسي”، لم يحقق أي هدف من الأهداف التي أُعلنت تحت وطأة التهديد والوعيد. وبدلاً من كسر الإرادات، أدى هذا النهج إلى ترسيخ وتأكيد منهجية “وحدة الساحات” كواقع استراتيجي لا يمكن تجاوزه. لقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها، بفعل صلابة المواقف المقابلة، مضطرة للانصياع لواقع جديد، حيث أصبحت مطالب تعويض إيران بمبالغ طائلة—تصل إلى 300 مليار دولار—على حساب دول المنطقة، بمثابة اعتراف ضمني بفشل سياسات الاستنزاف والعدوان.

لم تكتفِ هذه الإدارة بصب الزيت على نار الصراعات الإقليمية، بل امتد نهجها التدميري ليفك التحالفات التاريخية التي قامت عليها الهيمنة الغربية. لقد أدى هذا السلوك الإمبريالي الأرعن إلى تأزيم حاد ومستمر في العلاقات مع الشركاء التقليديين في أوروبا، واليابان، والصين، مما خلق حالة من القلق العالمي وفقداناً متزايداً لثقة حلفاء أمريكا في قدرة هذا النظام على قيادة العالم او حتى المشاركة أو الحفاظ على استقراره. بات واضحاً أن السياسة الأمريكية لم تعد تهدد خصومها فحسب، بل أصبحت خطراً على منظومة المصالح المشتركة التي تربطها بأقرب حلفائها.

إن هذه الوضعية التاريخية تستوجب من أحرار العالم وقواه الحية موقفاً حازماً يتجاوز حدود التنديد؛ إذ بات ضرورياً وضع هذه الإدارة وسياساتها تحت مجهر النقد والمحاسبة، والعمل على إنهاء أي تواجد يسعى للهيمنة وفرض الإرادة بالقوة الغاشمة.

إن المسؤولية اليوم تقع أيضاً على كاهل الناخب الأمريكي، الذي يجب أن يواجه الحقيقة الصارخة: التخلص من هذا النهج “المعتوه” انه ضرورة عالمية، ملحة لاستعادة التوازن، وإعادة فهم العالم كقوى حية متساوية، لا كمجرد مساحات للنفوذ أو أهداف للاحتلال. إن العالم اليوم لا ينتظر وعوداً بالهيمنة، بل ينتظر احتراماً للسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن منطق الغطرسة مما يستوجب وجودتحالف بين كل القوى المناهضة لهذا النظام والذي ليس له قيم أي قوانين كما يدعي بل جعل من العالم بأكمله مجرد صفقة وليس كيانات بشرية تستحق الحياة بعزة وكرامة.

You might also like