«وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»

إب نيوز 5 أغسطس

نبيل الجمل

في غَياهِبِ الظَّلامِ الَّذي خَيَّمَ عَلَى الوُجُودِ، وَحينَ بَلَغَتِ الرُّوحُ الإِنْسَانِيَّةُ مَبْلَغَ الشَّقاءِ وَالحَيْرَةِ، انْشَقَّ فَجْرُ الهُدَى، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها، إِذْ وُلِدَ اليَتِيمُ الَّذي أَوْوَى الأُمَّةَ، وَالأُمِّيُّ الَّذي عَلَّمَ البَشَرِيَّةَ. لَمْ يَكُنْ مَقْدَمُهُ الشَّرِيفُ مُجَرَّدَ حَدَثٍ يَمُرُّ فِي طَيَّاتِ الزَّمَانِ، بَلْ كَانَ انْبِثَاقاً لِلرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ الكُبْرَى، وَتَجَلِّياً لِلْفَضْلِ الَّذي لا يَحُدُّهُ زَمانٌ وَلا يَحْوِيهِ مَكَانٌ.

مُنْذُ أنْ طَأَطَأَتِ الأَرْضُ هَيْبَةً لِمَقْدَمِهِ، وَتَنَفَّسَ الصُّبْحُ بِعَطِرِ شَذَاهُ، هَطَلَتْ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ عَلَى القُلُوبِ المَيْتَةِ فَأَحْيَتْها، وَدَبَّتِ الرَّأْفَةُ فِي الأَرْوَاحِ الَّتي كَادَتْ تَعْصِفُ بِهَا قَسَاوَةُ الجَاهِلِيَّةِ. إنَّهُ المُصْطَفَى الَّذي صِيغَ قَلْبُهُ مِنْ نُورِ العَطْفِ، وَنُجِيَتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ مِنْ ظُلُمَاتِ التِّيَهِ، فَكانَ لِلْعَالَمِينَ أَمَاناً، وَلِلْمُسْتَضْعَفِينَ سَنَداً، وَلِلْتائِهِينَ مَنَاراً يُهْتَدَى بِهِ.

مَا هَذِهِ النَّفَحَاتُ الَّتي تَهُبُّ مَعَ إِشْرَاقَةِ مَوْلِدِهِ إلاَّ أَرَاجِيحُ أَمَلٍ تَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الأُمَّةِ، تُذَكِّرُهَا بِأَنَّ بَابَ العَطَاءِ لَمْ يُغْلَقْ، وَأَنَّ رَابِطَةَ الحُبِّ لِآلِ بَيْتِهِ هِيَ المَعْقِلُ الأَمِينُ. مَنْ طَافَ بِخَاطِرِهِ ذِكْرُهُ المَبَارَكُ، وَلَهَِجَ لِسَانُهُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، كُشِفَتْ عَنْهُ غُمَّاتُ الدَّهْرِ، وَسَكَنَتْ خَلَجَاتُ صَدْرِهِ.

فَيَا أَيُّهَا المُسْتَبْشِرُونَ بِهَذَا النُّورِ، أَنْشِطُوا أَرْوَاحَكُمْ فِي رِيَاضِ ذِكْرِهِ، وَامْلَأُوا الآفَاقَ بِتَلْكَبِ الرَّحَمَاتِ، وَاعْطِرُوا المَلاَ بِقَوْلِكُمْ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»، صَلاةً تَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَتَسْتَمْطِرُ شَبِيبَ المَغْفِرَةِ، فَإِنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ مِعْرَاجٌ تَرْتَقِي بِهِ القُلُوبُ إلَى مَقَامَاتِ القُرْبِ وَالصَّفَاءِ.

You might also like