اليمن يقلب الصورة من المخا إلى باب المندب .. من هو اليمني ومن هو الامتداد الإقليمي؟

إب نيوز 11 سبتمبر

لم تكن المنازلة الأخيرة في اليمن مفاجئة في مكانها أو توقيتها. فمنذ أسابيع كانت المخا تتقدم إلى واجهة البيانات العسكرية، وتتعرض مواقع القوات المتمركزة فيها لضربات متتابعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما كانت الحكومة المدعومة من السعودية تعلن أن المعركة الكبرى تستهدف صنعاء. وقد بدا التناقض بين العنوان السياسي والميدان واضحاً، الخطاب يتحدث عن استعادة العاصمة، بينما العمليات تتركز حول الساحل الغربي والمخا، بوصفها العقدة التي تفصل صنعاء عن باب المندب وتمنع اكتمال سيطرة أنصار الله على الساحل المطل على البحر الأحمر.

جاءت النتيجة لتؤكد أن عنوان صنعاء كان جزءاً من الحرب الإعلامية، وأن المعركة الحقيقية كانت على المخا. فقد تمكنت قوات صنعاء من دخول المدينة والميناء والسيطرة على قاعدة خالد بن الوليد والتقدم نحو جزر حنيش، في أكبر تحول ميداني يحققه أنصار الله في الداخل اليمني منذ عام 2015 وبدء الحرب السعودية على اليمن، وتحدثت تقارير غربية عن سقوط المخا بوصفه ضربة صادمة للقوات المدعومة من السعودية، وعن تقدم منح أنصار الله حضوراً مباشراً أقرب إلى باب المندب. أما سرعة الحسم، قياساً بحجم التحشيد والاستعدادات المعلنة، فقد كشفت أن اختلال التوازن لم يكن في كمية السلاح، بل في بنية القوى التي تحمل هذا السلاح وفي استعدادها للقتال.

على الجانب المقابل لأنصار الله لم تكن تقف جماعة يمنية معزولة. كانت هناك قوات ممولة ومسلحة ومدربة من السعودية، وتشكيلات عسكرية راكمت خلال سنوات الحرب دعماً خليجياً كبيراً، إضافة إلى غطاء جوي سعودي وقدرات استطلاع واتصالات ومعلومات وفرها الحلفاء الغربيون. وخلال الجولة الأخيرة وحدها نُفذت عشرات الغارات السعودية، بينما كانت خطوط الإمداد لصالح القوات المناوئة لصنعاء مفتوحة براً وبحراً، وكانت الموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرة الحكومة وحلفائها قادرة على استقبال الأفراد والذخائر والآليات.

في المقابل، تواجه فرص وصول الدعم الإيراني إلى أنصار الله قيوداً جغرافية وعسكرية شديدة. فاليمن محاصر بحرياً وجوياً منذ سنوات، والسفن الإيرانية لا تستطيع الوصول إلى الموانئ اليمنية بصورة طبيعية، والطيران الإيراني لا يملك جسراً جوياً مفتوحاً إلى صنعاء. وحتى مع افتراض نجاح عمليات تهريب محدودة للأسلحة أو المكونات التقنية، فإنها لا تقارن بحجم الإمداد المنتظم الذي يصل إلى خصوم أنصار الله. أما الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها صنعاء، فيؤكد تراكمها العددي واستمرار إطلاقها سنوات طويلة وجود بنية تصنيع وتجميع وتطوير داخلية، استفادت بالتأكيد من الخبرة الإيرانية، لكنها لم تعد تعتمد على شحنات خارجية كاملة كي تستمر، أما عن المال فحدث عن الفوارق بلا حرج.

هنا يظهر معنى السؤال: من هو اليمني، ومن هو الامتداد الإقليمي فعلياً؟ تصر الرواية السعودية والغربية على تقديم أنصار الله باعتبارهم ذراعاً إيرانية، لكنها تتجاهل أنهم يقاتلون بقوام بشري يمني، ومن أرض يسيطرون عليها منذ أكثر من عقد، ويملكون مؤسسات إدارة وتعبئة وتصنيع، بينما يقاتل خصومهم تحت غطاء جوي سعودي وبتمويل خارجي وبقرار سياسي لا يستقل عن الرياض. وإذا كان تلقي الخبرة والسلاح معياراً لنزع الصفة الوطنية، فإن القوات التي قامت على المال والسلاح والقيادة السعودية أولى بوصف الامتداد الإقليمي، كما كان هو الحال يوم تمكن أنصار الله من بسط السيطرة على أغلب المحافظات اليمنية دون مقاومة تذكر قبل أن تشن الحرب عام 2015 ويدخل الثقل السعودي الإماراتي على الحرب.

لا تلغي هذه الحقيقة وجود علاقة سياسية وعسكرية قوية بين أنصار الله وإيران، لكنها تضعها في حجمها الحقيقي. إيران حليف إقليمي يقدم الخبرة والمساندة، بينما القاعدة البشرية والقرار الميداني والقدرة على الصمود يمنية. أما الطرف الآخر، فعلى الرغم من يمنيّة مقاتليه، فقد نشأت قوته وتوزعت تشكيلاته وفق حسابات الرعاة الخارجيين. وقد ظهر أثر ذلك عند الاختبار، تعدد القيادات، تضارب الولاءات، تراجع الدعم الإماراتي، وضعف الانسجام بين القوات الحكومية والتشكيلات المحلية، مقابل قيادة موحدة وخطة عمليات واحدة لدى صنعاء.

النتيجة الاستراتيجية لا تختصر بالسيطرة على مدينة أو ميناء. المخا تفتح الطريق نحو تثبيت حضور صنعاء على الساحل من الحديدة حتى باب المندب، وتمنحها قدرة أكبر على مراقبة حركة السفن وتهديد الممر البحري ومنع استخدام الساحل منصة ضدها. كما تجعل الحصار على اليمن أكثر صعوبة، بعدما أصبح الطرف المحاصَر قادراً على الاقتراب من نقطة التحكم بأحد أهم شرايين التجارة العالمية.

وتتضاعف قيمة هذا التحول مع أزمة هرمز. فإذا كانت إيران تضغط على الحركة النفطية في الخليج، وصارت صنعاء أقرب إلى التحكم العسكري بجبهة باب المندب، فإن واشنطن والرياض تواجهان ضغطاً متزامناً على مدخلَي الطاقة والتجارة في المنطقة. ولهذا لم تعد الحرب اليمنية ملفاً محلياً يمكن عزله عن التسوية الإقليمية.

قالت نتيجة المنازلة إن كثرة المال والسلاح والغارات لا تصنع جيشاً يمتلك قضية وإرادة موحدة. وقالت إن الحصار لم يمنع صنعاء من تطوير قوتها، بينما لم ينجح الدعم المفتوح في منح خصومها القدرة على الثبات. والأهم أنها قلبت الرواية، الطرف الذي وُصف سنوات بأنه مجرد امتداد خارجي ظهر أكثر تجذراً وتنظيماً في الأرض اليمنية، بينما بدت القوى التي حملت اسم الشرعية عاجزة عن الصمود عندما تراجع تماسك المظلة الإقليمية.

 

تحليل : ناصر قنديل – رئيس صحيفة البناء

You might also like