كاتب وصحفي فلسطيني: اليمن يوسّع بنك الأهداف: هل تحوّل التصعيد السعودي إلى مأزق استراتيجي؟

إب نيوز 13 سبتمبر

لم يعد ما يجري على الساحل الغربي اليمني تطورًا عسكريًا هامشيًا، ولا مناورة تكتيكية هامشية. خلال أيام قليلة، انتقلت القوات المسلحة اليمنية من موقع الدفاع إلى موقع الاستباق، ومن رد الفعل إلى فرض المعادلات. سقوط معسكر خالد بن الوليد، والتقدم والسيطرة في مفرق المخا والوازعية، والسيطرة على ذو باب، كلها مؤشرات على أن بوصلة الاستراتيجية انقلبت، وأن الرياض التي راهنت على التحشيد والتوسيع، وجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي معقد، لا تملك أدوات الخروج منه بسهولة.

ما حدث خلال الأيام الماضية ليس فقط تحركًا ميدانيًّا. إنه إعادة تعريف لقواعد الاشتباك، وإعادة ترتيب لأولويات الصراع. فبعد أكثر من 120 غارة سعودية على خمس محافظات يمنية، كان الرد اليمني واسعًا ومزلزلًا: عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت أرامكو في نجران وأبها وجيزان، والمدينة الصناعية في جيزان، وقاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط. هذه ليست أهدافًا عشوائية، بل هي العصب الاقتصادي والعسكري للمملكة في الجنوب. والرسالة واضحة: أي تصعيد سعودي سيقابله تصعيد يمني مضاعف، وأي توسيع للجبهات سيقابله توسيع لبنك الأهداف.

من الدفاع إلى الاستباق: معادلة “التصعيد بالتصعيد”

لطالما تحدثت صنعاء عن استراتيجية واضحة: “التصعيد بالتصعيد، والحصار بالحصار”. لكن ما جرى خلال الأيام الماضية لم يكن فقط تطبيقًا لهذه المعادلة، بل كان ترجمة عملية لها على الأرض. فالقوات المسلحة اليمنية لم تكتفِ بالرد على الغارات السعودية، بل بادرت إلى استهداف التحشيدات السعودية في العبر والجوف والبيضاء والساحل الغربي، قبل أن تصل إلى أهدافها. هذه ليست ردود فعل، بل عمليات استباقية تنم عن قدرة استخباراتية وعسكرية عالية، وعن قراءة دقيقة لنوايا الطرف الآخر.

المفارقة أن الرياض كانت تخطط لزحف شامل من كل الجبهات: الجوف، مأرب، البيضاء، الضالع، والساحل الغربي. كان المخطط يهدف إلى تضييق الخناق على صنعاء، والسيطرة على الحديدة، وإعادة رسم خريطة السيطرة لصالحها. لكن ما حدث هو العكس تمامًا، فبدلًا من أن تتقدم القوات المدعومة من السعودية، انهارت تشكيلاتها في الساحل الغربي، وتراجعت قوات طارق صالح جنوبًا، وسقط معسكر خالد بن الوليد، وأصبح الطريق الرابط بين تعز والحديدة والمخا تحت تأثير مباشر للقوات اليمنية.

انهيار المنظومة: ليست إعادة تموضع

يحاول البعض تصوير التراجع في الساحل الغربي على أنه “إعادة تموضع تكتيكي”. لكن الحقيقة أبعد من ذلك. ما انهار ليس فقط قوات طارق صالح، بل منظومة عسكرية كاملة بنتها السعودية والإمارات خلال اثني عشر عامًا. قوات العمالقة، درع الوطن، التشكيلات التهامية، وقوات الإخوان في تعز، كلها شاركت في المعركة، وكلها انكشفت هشاشتها. هذه ليست إعادة تموضع، بل انهيار في بنية الانتشار العسكري، وانهيار في القدرة على الصمود أمام ضربات دقيقة ومنسقة.

والأهم أن هذا الانهيار لم يقتصر على الساحل الغربي. في الجوف، أحبطت القوات اليمنية محاولة تسلل إلى سوق اليتمة، ودمرت عشرات الآليات. وفي البيضاء، استعادت نقاطًا في الزاهر، وأفشلت محاولات تصعيد في أكثر من محور. هذه ليست انتصارات منفصلة، بل هي أجزاء من استراتيجية واحدة تهدف إلى إرباك الخصم، وتشتيت جهوده، وإجباره على القتال في أكثر من جبهة في وقت واحد.

باب المندب: من ممر بحري إلى ورقة ضغط استراتيجية

لكن الأهم من كل ذلك هو ما يجري في الساحل الغربي، وتحديدًا في المخا وذو باب. فهذه المنطقة ليست فقط جغرافيا، بل هي عقدة استراتيجية تتحكم في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن يسيطر على هذا الساحل، لا يسيطر على تجارة فقط، بل على منطق الحرب والسلم في البحر الأحمر.

لقد امتلكت صنعاء خلال السنوات الماضية وخصوصًا في حربها في إسناد غزة، قدرة على تهديد الملاحة من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن اليوم، مع التقدم البري نحو المخا وذُباب، أصبحت السيطرة على الأرض أمرًا واقعًا. وهذا يمنح صنعاء مزايا متعددة: تقليص المسافة أمام منظومات الاستهداف، توسيع القدرة على الضغط على الساحل والممرات البحرية، خلق عمق جغرافي إضافي بدل الاعتماد فقط على القدرات بعيدة المدى، وحماية أفضل للقدرات الموجودة على الساحل.

وإذا ما اكتملت السيطرة باتجاه جزيرة ميون (بريم)، فإن الحديث عن أمن البحر الأحمر لن يكون ممكنًا من دون صنعاء. هذه الجزيرة تقع في قلب المضيق، وعند واحدة من أضيق نقاطه، والسيطرة عليها تعني إطباقًا كاملًا على باب المندب، ومن ثم قدرة على التحكم في حركة السفن، ليس فقط عبر التهديد، بل عبر الحضور الميداني المباشر.

لماذا طلب محمد بن سلمان من ترامب التدخل؟

ربما لا توجد إشارة أوضح إلى حساسية الموقف من التحرك السعودي نفسه. فبحسب تقارير غربية منها ( AxiosK, Reuters ( “طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل عسكريًا ضد أنصار الله، في أعقاب التطورات على البحر الأحمر”. هذا الطلب يكشف حجم المأزق السعودي، وأن الرياض التي راهنت على الخيار العسكري، أصبحت تبحث عن مخرج عبر واشنطن.

لكن واشنطن، المنخرطة أصلًا في حرب واسعة مع إيران، وتتعامل مع أزمة مضيق هرمز، ليست في وارد فتح جبهة جديدة. حسابات الانتخابات النصفية، ومخاطر توسيع مساحة الحرب، وزيادة الأهداف التي تحتاج القوات الأميركية إلى حمايتها، كلها عوامل تدفع الإدارة الأميركية إلى التعامل بحذر مع الطلب السعودي. ومع ذلك، يبقى احتمال انخراط الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات محدودة قائمًا، لكنه لن يغير من المعادلة الاستراتيجية على الأرض.

هرمز وباب المندب: معادلة واحدة

لا يمكن فصل ما يجري في باب المندب عن أزمة مضيق هرمز. فهرمز هو البوابة البحرية للخليج، وباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وبينهما شبكة واسعة من طرق الطاقة والتجارة. وإذا توقفت حركة الملاحة في هرمز، تضغط على صادرات النفط والغاز الخارجة من الخليج. وإذا اضطرت السفن إلى تجنب البحر الأحمر، فإن البديل هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح، بمسافة أطول، واستهلاك أكبر للوقود، وأيام إضافية في الرحلة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

وهنا تنتقل أهمية التطور من الجغرافيا العسكرية إلى الاقتصاد. فالسعودية تمتلك منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وتستخدمه كمسار بديل لنقل النفط عندما تكون الطرق في الخليج مهددة. لكن إذا أصبح هرمز وباب المندب معًا تحت مستوى مرتفع من المخاطر، فإن هامش المناورة السعودي ينكمش. وقد أشارت Reuters إلى أن اضطراب هرمز والتوتر في البحر الأحمر قد رفعا أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وهذا يفرض على السعودية كلفة عالية، ويضعها أمام مواجهة قدرتها الاستيعابية للنفط ومعضلة الوقت.

الضربة الأقسى: إيقاف خط الأنابيب

وهنا تنتقل أهمية التطور من الجغرافيا العسكرية إلى الاقتصاد، لتتخذ بعدًا أكثر خطورة وأكثر إيلامًا للرياض. فالسعودية لا تمتلك فقط منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، بل تمتلك شريانًا حيويًا يمر عبر أراضيها، هو خط أنابيب “شرق-غرب” (بترولاين)، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر من بقيق في المنطقة الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا.

هذا الخط لم يكن فقط مسارًا بديلًا، بل كان شريان النجاة الاستراتيجي للمملكة. فمع إغلاق مضيق هرمز، أصبح خط “شرق-غرب” هو المسار الوحيد القادر على إخراج النفط السعودي إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن الخطر الإيراني. وقد أكد الرئيس التنفيذي لأرامكو، أمين الناصر، أن هذا الخط كان يخفف آثار إغلاق هرمز “بشكل أكثر فعالية من أي إفراج عن احتياطيات النفط الطارئة”.

لكن في صباح الخميس 10 أيلول/ سبتمبر 2026، تلقت الرياض ضربة موجعة. فقد تعرض خط أنابيب “شرق-غرب” في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لعدة استهدافات بطائرات مسيّرة، ما أسفر عن وقوع إصابات بشرية وأضرار مادية. وبعد ساعات، أعلنت وزارة الطاقة السعودية إيقاف الخط “احترازيًا”، في خطوة تهدف إلى تأمين الخط وفحص سلامته قبل استئناف التشغيل.

المفارقة الأكثر إثارة هي أن السعودية نسبت الهجوم إلى طائرات مسيّرة “قادمة من العراق”. هذا الاتهام، إذا صح، يعني أن الرياض تواجه الآن تهديدًا من جبهتين: من الجنوب حيث اليمن، ومن الشمال الشرقي حيث العراق. لكن بغداد سارعت إلى نفي هذه الاتهامات، وأعلنت جماعات “المقاومة الإسلامية في العراق” أن الاتهام “شرف لا ندّعيه”، مؤكدة أنها لو كانت قد نفذت الهجوم لكانت فخورة بذلك.

لكن النفي العراقي لم يمنع بغداد من اتخاذ إجراءات ميدانية عاجلة لاحتواء الأزمة. فقد أمر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، بإعفاء مؤقت لقائد عمليات ميسان من منصبه، إلى إنتهاء التحقيقات.

المأزق السعودي: كلما توسعت الحرب، اتسع المأزق

المعادلة اليوم لم تعد كما كانت. بالأمس كان الحديث عن حصار اليمن، وعن تضييق الخناق على صنعاء، وعن زحف من كل الجبهات. أما اليوم، فالتقدم في المخا وذُباب، والدخول إلى معسكر خالد بن الوليد، والتراجع في صفوف التشكيلات المدعومة من السعودية، كل ذلك يشير إلى أن بوصلة الاستراتيجية انقلبت.

لم تعد صنعاء تتحرك على قاعدة رد الفعل فقط، بل على قاعدة الاستباق. ولم يعد باب المندب فقط ممرًا تمر منه السفن، بل أصبح ورقة ضغط استراتيجية بيد من يسيطر على الساحل والجزر. وإذا ما اكتملت السيطرة باتجاه جزيرة ميون، فإن الحديث عن أمن البحر الأحمر لن يكون ممكنًا من دون صنعاء، سواء أرادت واشنطن ذلك أم لم ترد، وسواء تمسكت أوروبا بمواقف السعودية أم قررت لاحقًا أن الوقائع أقوى من البيانات.

هذا هو مأزق السعودية: كلما حاولت توسيع الحرب، وجدت نفسها أمام معادلة أوسع، وكلما راهنت على التحشيد والميليشيات، انكشفت هشاشة التشكيلات التي بنتها خلال اثني عشر عامًا، وكلما تحدثت عن الملاحة الدولية، ردت صنعاء بأن المسألة مسألة سيادة يمنية، وأن ما يجري في محافظات يمنية هو شأن داخلي، وأن من يريد أمن البحر الأحمر عليه أن يتعامل مع صنعاء، لا مع وهم الحصار.

مرحلة جديدة من المواجهة

وفق قراءة موضوعية للمعطيات العامة في الميدان على الأرض وفي الجو، فإنها جميعها تؤكد امتلاك صنعاء لزمام المبادرة الميدانية والتكتيكية، وجاهزيتها العالية وقدرتها على تثبيت معادلاتها المعلنة وفرض معادلات جديدة برًا وبحرًا. وفي مقابل ذلك، تثبت التطورات أن رهانات الرياض على الخيارات العسكرية والتعنت في ملفات السلام والحصار وتأزيم الوضع الداخلي، قد تحولت إلى مأزق استراتيجي معقد، يفرض على النظام السعودي كلفًا باهظة ومستمرة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

ما يجري اليوم في اليمن ليس فقط حربًا على الأرض. إنه إعادة تعريف للقوة في البحر، وإعادة رسم لخريطة النفوذ في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن يمسك بباب المندب، لا يمسك بتجارة فقط، بل بمنطق الحرب والسلم في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل ما يجري في المخا وذُباب وميون ليس تطورًا يخص اليمن وحده، بل تحولًا استراتيجيًا يعيد ترتيب الأدوار والرهانات في المنطقة كلها.

محمد الأيوبي – كاتب وصحفي فلسطيني

You might also like