مأرب… ماذا يحدث؟
مأرب… ماذا يحدث؟
إب نيوز 12 سبتمبر
لو حدّثتموني قبل عدة ساعات بأن أنصار الله سيتقدمون بهذه السرعة التي تتحدث عنها التقارير الآن في محافظة مأرب لضحكت عليكم.
قبل أقل من يومين كانت الصورة تبدو معكوسة تقريباً. القوات الموالية للسعودية كانت تعلن عن عملية واسعة جنوب مأرب، وعن تقدم في الجوف وقطع خطوط إمداد لأنصار الله شرق الحزم، بل كانت تحاول تصوير ما يجري على أنه بداية هجوم مضاد واسع يعيد زمام المبادرة إليها. واليوم نحن أمام تقارير تتحدث عن هجوم مضاد كبير لأنصار الله، اشتباكات عنيفة على أكثر من محور، وانسحابات باتجاه الشرق. إذا تأكد حجم هذه الانسحابات فعلاً، فنحن أمام انقلاب ميداني مزلزل.
لكن لكي نفهم لماذا مأرب بهذه الأهمية، يجب أولاً أن نفهم ما هي مأرب أصلاً.
مأرب عملياً هي أهم معقل بقي للقوات التابعة للحكومة المدعومة سعودياً في شمال اليمن، وأحد أهم مراكز نفوذ حزب الإصلاح. تقع شرق صنعاء بنحو 175 كيلومتراً، يحدها الجوف شمالاً، صنعاء غرباً، البيضاء وشبوة جنوباً، وحضرموت شرقاً. ولذلك فهي عقدة جغرافية تربط شمال اليمن بشرقه وبالطريق المؤدي لاحقاً إلى حضرموت ومنفذ الوديعة على الحدود السعوديه.
وجغرافية مأرب نفسها تفسر لماذا يمكن أن تصبح المعركة سريعة جداً إذا انهارت خطوط الدفاع الرئيسية. غرب المحافظة جبال وأودية ومرتفعات كانت تاريخياً قادرة على إبطاء أي هجوم، لكن كلما اتجهنا شرقاً وشمالاً تبدأ الأرض بالانفتاح تدريجياً نحو رملة السبعتين والصحراء الواسعة. في الحروب السابقة كانت هذه المساحات المفتوحة مشكلة لأنصار الله، لأنها جعلت قواتهم مكشوفة أمام الطيران السعودي وأعطت القبائل المحلية أفضلية في الحركة والكمائن. أما إذا ضعف الغطاء الجوي أو بدأت الوحدات المدافعة بالانسحاب وفقدت الجبهة تماسكها، فالأرض المفتوحة نفسها يمكن أن تتحول إلى عامل يسرّع الانهيار بدلاً من أن يوقفه.
وهنا نصل إلى السبب الثاني والأهم: الطاقة.
مأرب هي قلب قطاع الغاز اليمني وأحد أهم مراكز النفط في البلاد. حقل «قطاع 18 مأرب–الجوف» تديره شركة صافر، التي تصفه بأنه أكبر مصدر لإنتاج الغاز في اليمن وثاني أكبر منتج للنفط. في المنطقة توجد منشآت معالجة النفط والغاز التابعة لصافر، ومصفاة مأرب التي تحصل من الشركة على نحو 10 آلاف برميل يومياً، إضافة إلى منشآت معالجة الغاز والغاز المسال ومحطة مأرب الكهربائية. ومن مأرب أيضاً انطلق خط الغاز بطول نحو 320 كيلومتراً باتجاه منشأة بلحاف للغاز الطبيعي المسال قبل توقف صادرات الغاز المسال في 2015.
لهذا كان الاستيلاء على مأرب هدفاً لأنصار الله منذ سنوات. خلال هجوم 2020–2021 حاولوا الوصول إلى المدينة والسيطرة على منشآت النفط والغاز والمصفاة ومحطات الكهرباء، لكن الهجوم استُنزف وتوقف في النهاية، ثم خسروا أجزاء من جنوب مأرب وشمال غرب شبوة مطلع 2022.
الاختلاف الآن أن المعركة لا تجري في مأرب وحدها.
خلال الأيام الأخيرة حقق أنصار الله تقدماً سريعاً جداً على الساحل الغربي، وسيطروا على المخا ثم توسعوا نحو ذباب وباب المندب وجزيرة ميون والجزر المحيطة، في الوقت الذي تتعرض فيه القوات المدعومة سعودياً للضغط في تعز والجوف ومأرب في آن واحد. وهذا يعني أن خصوم أنصار الله لم يعودوا يدافعون عن جبهة واحدة، بل عن قوس واسع يمتد من البحر الأحمر إلى وسط وشمال شرق اليمن.
ولهذا فإن أي تقارير عن انسحاب واسع من مأرب والجوف باتجاه وادي حضرموت يجب أخذها بجدية شديدة إذا تأكدت.
الانسحاب شرقاً نحو حضرموت ليس اتجاهاً عشوائياً. هذه المنطقة تبقي القوات المنسحبة مرتبطة بالعمق الشرقي لليمن وبالطريق المؤدي إلى منفذ الوديعة والسعودية. فإذا كانت الوحدات تنسحب بصورة منظمة لإقامة خطوط دفاع أقصر، فهذا إعادة تموضع. أما إذا بدأت المعسكرات والمواقع تنهار في أكثر من محور في وقت واحد، مع انسحاب القوات لمسافات كبيرة نحو حضرموت، فهنا يصبح وصف ما يحدث بأنه «انسحاب تكتيكي» صعباً، ونكون أقرب إلى انهيار عملياتي لجبهة كاملة.
هدف هجوم أنصار الله أكبر بكثير من احتلال مدينة مأرب نفسها. تحرير مأرب، إن حدث، يعني عملياً ثلاثة أمور دفعة واحدة: إنهاء أهم معقل للقوات الموالية للسعودية في شمال اليمن، السيطرة على أهم مركز للغاز ومنظومة كبيرة من البنية النفطية والطاقة، ونقل مركز ثقل الحرب شرقاً باتجاه المناطق التي بقيت طوال سنوات بعيدة نسبياً عن سلطة صنعاء. لهذا كانت مأرب دائماً جبهة مصيرية للطرفين.
لا أقول الآن إن مأرب تحررت؛ لا يوجد عندي حتى هذه اللحظة تأكيد موثوق يسمح بقول ذلك. لكن إذا تأكدت التقارير عن هجوم أنصار الله الواسع وعن انسحابات متزامنة من مأرب والجوف نحو وادي حضرموت، فالمسألة تصبح أكبر بكثير من اختراق محدود.
حينها سنكون أمام احتمال انهيار أهم جبهة بقيت للسعودية وحلفائها في شمال اليمن.
الدكتور / حسن أحمديان ،Hassan Ahmadian