كاتب وصحفي لبناني: «استهداف» مكّة: الرياض تَحتمي بالحرب الدينية
إب نيوز 17 سبتمبر
بين التحذير السعودي من «استهداف» مكّة وغياب أي انفجار داخل المدينة، اندلعت معركة أخرى على مستوى السردية. فبينما وظّفت الرياض رمزية المدينة المقدسة لحشد التضامن الإسلامي، شكّك ناشطون في الرواية الرسمية وتوقيتها، وسط تصعيد عسكري وإعلامي متبادل أعاد الحرب اليمنية إلى واجهة الصراع الإقليمي
يرزح ملايين اليمنيّين تحت وطأة الحصار السعودي منذ أكثر من عقدٍ من الزمن. خلال هذه الحقبة، قضى الآلاف من المدنيّين جرّاء الضربات الجويّة تارة، والجوع وتفشّي الأمراض طوراً. أمّا وقد انتفضت صنعاء أخيراً على سجّانها من خلال الردّ على الحصار بمثله، وعلى الضربات الجويّة بهجمات بأسراب الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليسيتية على أهداف عسكرية وحيوية، بدت على الرياض عوارض التخبّط السياسي في مواجهة النجاح اليمني التكتيكي. وبعد فشل المملكة في استدراج باكستان وتركيا في مستنقعها، وتردُّد حلفائها من العرب في الانخراط بهذه المعركة، انتقل خادم الحرمين الشريفين إلى استعمال ورقة «المدينة المقدّسة» لحثّ أكثر من ملياري مسلم على نصرة «بيت الله».
لم يُسجّل أي انفجار في مدينة مكّة، ولم تُعلن القوات اليمنية عن استهدافها، لكنّ ما لبثت أن زعمت السعودية إسقاطها مسيّرة على مقربة من المدينة، حتّى انطلقت سردية إعلاميّة مختلفة على وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدّلت العناوين من معارك حقّق فيها اليمنيّون ضرباتٍ قاسية في الساحتين اليمنية والسعودية، إلى حالة نفير عام للمسلمين لنجدة المدينة المقدّسة. لكن غاب عن غرفة عمليّات الحرب الإعلامية للمحور الإبراهيمي في المنطقة، أنّ تخديرهم لهذه الشعوب على وقع قتل «إسرائيل» لعشرات آلاف المسلمين خلال انتفاضتهم للدفاع عن قبلة المسلمين الأولى المسجد الأقصى، سيُخلّف تبعات وخيمة على قدرتها في استنهاضهم في حربها غير المبرّرة على المسلمين في اليمن العربي.
قصف وهمي
يوم الثلاثاء الفائت، وفي منتصف النهار حيث الذروة في الحصول على الانتباه الإعلامي الكامل، أطلق الدفاع المدني السعودي الإنذار المبكر الطارئ في مدينة مكّة للتحذير من خطر محدق. أرفق ذلك بإرشاد سكّان المدينة بضرورة اتباع التعليمات وعدم الخروج من المنازل أو المباني والاختباء خلف سواتر صلبة. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، بين ناشطين عبّروا عن استنكارهم أو استغرابهم لاستهداف المكان المقدّس، وآخرين حذّروا من خيوط مؤامرة تحيكها الغرف الإعلامية لاصطناع حدثٍ مزيّف.
بعد انتهاء حالة الخطر، لم يُبلّغ عن انفجارات أو اعتراضات في سماء المدينة، كما لم تسقط أي ضحية جرّاء أي حدث أمني. مع ذلك، بدأت المحرّكات الإعلامية في توسيع دائرة الاهتمام على الخبر. ولإضفاء شرعية عسكرية على السردية، خرجت القوات السعودية لتدّعي اعتراض طائرة مسيّرة واحدة، قالت إنّها «حاولت دخول المجال الجوّي للعاصمة المقدّسة (مكّة المكرّمة)». واستخدم البيان العسكري مفردات دينية، مدّعياً أنّ هذه المرّة الثانية التي تُحاول فيها جماعة «أنصار الله» مهاجمة المدينة، بعد محاولة مماثلة في عام 2017.
مؤامرة حاكتها الغرف الإعلامية لاصطناع حدثٍ مزيّف
في مقابل هذه السردية، لفت الناشطون إلى هفوات تقنيّة في تسلسل الأحداث. يوم الثلاثاء، أطلقت السعودية الإنذارات المبكرة في محافظات عدة، لكنّ آخرها كان قرابة الثانية عشرة ظهراً. أمّا البيان الرسمي لقيادة القوات المشتركة للتحالف، فأشار إلى اعتراضها المسيّرة يوم الثلاثاء عند الساعة السادسة والخمسين دقيقة مساءً. وكتب أحد المدونين: «كيف يتم إطلاق الإنذار قبل 8 ساعات ونصف من الاستهداف المزعوم؟».
حكومات تركب الموجة
بنت الماكينة الإعلامية السعودية سرديّتها الإعلامية على النقطة الحسّاسة التي تفرض دعماً واسعاً، لا سيّما من الحكومات الحليفة. ورغم غياب الخسائر والحقائق التي تؤكّد حصول أي استهداف، إلّا أنّ ناشطين يدورون في فلك المملكة حرصوا على تحويل الخطاب من فداحة الخسائر السعودية الناجمة عن قرارها بحصار اليمن، إلى استخدام مصطلحات الحرب الدينية التي تستفزّ وجدان مئات ملايين المسلمين حول العالم. على سبيل المثال، نشر الإعلامي السعودي، داود الشريان، على حسابه على منصّة إكس: «استهداف الحوثي مكّة كسر آخر حدود الحرب. لسان حال المسلمين اليوم، قد تهون الأرض إلا موضعا». وعاد الشريان ليُسخّر أهدافه من الحدث الإعلامي كاتباً: «من يوجّه سلاحه إلى قبلة المسلمين يوسّع خصومه من دولة إلى أمّة».
لاقت الصرخة السعودية آذاناً صاغية في عواصم حليفة، وخرجت بيانات تضامن ترفض المساس بالمدينة المقدّسة. في موازاة ذلك، انتشرت تقارير في لبنان تفيد عن إيعاز الرياض للتطرّق إلى التهديد المحدق بقبلة المسلمين في خطب المساجد. أمّا رئيس الجمهورية في لبنان، جوزيف عون، فلاقت المسيّرة المزعومة التي لم تصل إلى هدفها، اهتماماً من مساحته اليومية لإدانتها. علماً أنّ المسيّرات الإسرائيلية تخترق المجال الجوي لقصر بعبدا بشكل روتيني يومي، من دون أن تؤرّق قاطنيه.
سردية «العاجز»
بالتزامن مع التعثّر الميداني السعودي في الداخل اليمني، والضربات التي تلقتها في مطاراتها وثكناتها العسكرية، وشلّ جزء رئيسي من الصادرات النفطية، سجّلت وسائل التواصل الاجتماعي احتفاء ناشطين بالانتفاضة اليمنية العسكرية. وعلى وقع المشاهد الموثّقة لإنجازات «الحوثيين» التي ضجّت العالم الافتراضي، لم تجد السعودية صورة إعلامية تُروّجها للعالم في الوقت الذي تلقت فيه ضربات إعلامية موجعة. في هذا السياق، كتب النائب البريطاني الأسبق جورج غالاوي على منصّة «إكس»: «اليمن كانت كغزة قبل أن تصبح غزة»، في تعليقه على صور تُظهر المجاعة وتفشّي الأمراض لدى الأطفال في اليمن بسبب الحصار الخانق منذ عام 2015.
أمام تردّد الحلفاء والتخبّط الميداني، اختارت الرياض الهروب إلى تسويق الحرب بصورة دينية. وإن لم يستجلب ذلك تحرّكات عسكرية مساندة، إلّا أنّه يساعد في الحصول على التفاف شعبي بعدما نقلت نفسها من خانة الجلّاد، إلى مكانة الضحيّة. وفي العموم، استطاع الديوان السعودي الملكي إخفاء عناوين خسائره النفطية المدويّة وتخلّي حلفائه الاستراتيجيين عنه، باستثناء المساعدة الإسرائيلية الموضعية.
الكاتب والصحفي اللبناني: علي سرور