نموذج العمل التنموي المتكامل المشاركة المجتمعية الواسعة..( الحلقة الثانية) 

إب نيوز 10 سبتمبر

محمد صالح حاتم

لا يمكن أن تتحقق تنمية حقيقية ومستدامة إذا بقيت مسؤوليتها محصورة في مؤسسات الدولة وحدها، أو إذا ظل المجتمع مجرد متلقٍ للمشاريع والخدمات دون أن يكون شريكاً في صناعتها وتنفيذها والمحافظة عليها. فالتنمية الحقيقية هي التي تجعل المجتمع طرفاً أساسياً في التفكير والتخطيط والتمويل والتنفيذ والمتابعة، وتستنهض طاقاته وإمكاناته ليكون شريكاً في بناء مستقبله.

ومن هنا تأتي المشاركة المجتمعية الواسعة بصفتها المبادئ الثاني من مبادئ العمل التنموي وأحد أهم مرتكزات نموذج العمل التنموي المتكامل، فالمجتمع ليس كتلة واحدة متلقية للتوجيهات، وإنما يمتلك طاقات وخبرات وإمكانات كبيرة يجب تنظيمها وتوظيفها في خدمة التنمية.

والمشاركة المطلوبة ليست مشاركة شكلية أو موسمية، بل مشاركة تشمل جميع فئات المجتمع؛ الرجال والنساء والشباب وكبار السن وأصحاب الخبرات والمزارعين والصيادين والمنتجين والتجار وأصحاب رؤوس الأموال، بحيث يجد كل فرد موقعه ودوره في عملية التنمية وفق قدراته وإمكاناته.

فالرجل له دوره، والمرأة لها دورها الكبير في الإنتاج والأسرة والمجتمع، والشباب يمثلون الطاقة والحيوية والقدرة على الابتكار والعمل، وأصحاب الخبرات يمثلون رصيداً معرفياً يجب الاستفادة منه. وحين تتكامل هذه الطاقات، يصبح المجتمع قادراً على مواجهة تحدياته وتحويل احتياجاته إلى مشاريع وفرص تنموية.

ولكي تتحول المشاركة من فكرة عامة إلى عمل منظم، فإن من المهم تشجيع أفراد المجتمع على الانضمام إلى الأطر التنظيمية والتنموية المختلفة، وفي مقدمتها الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، والجمعيات التعاونية السمكية، وجمعيات العزل، والمجموعات الإنتاجية وغيرها من الأشكال التنظيمية التي تجمع الناس حول مصالح مشتركة.

فالجمعيات التعاونية الزراعية يمكن أن تكون إطاراً لتنظيم المزارعين، وتوفير المدخلات، وتنظيم الإنتاج، وتحسين التسويق، وتبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة. كما يمكن للجمعيات التعاونية السمكية أن تسهم في تنظيم الصيادين، وتحسين عمليات الإنتاج والتسويق، وحماية الثروة السمكية، وتطوير الخدمات المرتبطة بهذا القطاع.

أما جمعيات العزل والمجموعات الإنتاجية، هي امتداد للجمعيات متعددة الأغراض وهي يد الحكومة في الميدان فإن دورها لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يجب أن تمتلك أبعاداً اجتماعية وتنموية أوسع، تجعلها قادرة على تعزيز التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، والمساهمة في معالجة المشكلات المحلية، وتنفيذ المبادرات التي تخدم الناس.

وتتجلى المشاركة المجتمعية بصورة عملية من خلال المبادرات التي يتبناها المجتمع ويسهم في تنفيذها، سواء في إنشاء السدود والحواجز المائية وحصاد مياه الأمطار، أو شق الطرقات وصيانتها، أو بناء المدارس وتأهيلها، أو إنشاء المراكز الصحية، أو تنفيذ مشاريع المياه، وغيرها من المشاريع الخدمية والتنموية التي تنطلق من احتياجات المجتمع وإحساس أفراده بمسؤوليتهم تجاه مناطقهم. فهذه المبادرات تمثل نموذجاً حياً لقدرة المجتمع على استنهاض موارده الذاتية والمساهمة الفاعلة في معالجة احتياجاته، خصوصاً عندما تتكامل جهوده مع دعم وإسناد مؤسسات الدولة.

إن تنظيم المجتمع في أطر تعاونية وإنتاجية لا يعني إنشاء كيانات منفصلة عن الدولة، وإنما يجب أن تقوم هذه الأطر على أساس التعاون والتكامل مع مؤسسات الدولة. فالدولة لها دورها في التخطيط والتنظيم ووضع السياسات وتوفير الدعم عندما يعجز المجتمع والبيئة المناسبة، بينما يقوم المجتمع بدوره في المبادرة والمشاركة وتحديد الأولويات وتنفيذ المشاريع والمحافظة عليها.

وهنا يتحقق التكامل الحقيقي بين الدولة والمجتمع؛ فلا تكون الدولة بديلاً عن المجتمع، ولا يترك المجتمع وحيداً دون تنظيم ودعم، وإنما يعمل الطرفان في اتجاه واحد، كلٌ وفق دوره ومسؤوليته، من أجل تحقيق أهداف التنمية.

ومن أروع النماذج القرآنية التي تجسد معنى المشاركة المجتمعية في العمل التنموي قصة ذي القرنين عندما طلب منه قوم أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يحميهم، وعرضوا عليه أن يجعلوا له مقابلاً مادياً، لكنه لم يتعامل معهم باعتبارهم مجرد ممولين أو متلقين للمشروع، بل طلب منهم أن يكونوا شركاء في العمل قائلاً:« فأعينوني بقوةٍ أجعل بينكم وبينهم ردما» .

وهنا تتجلى فلسفة عميقة في العمل التنموي؛ فذو القرنين كان يمتلك القدرة والخبرة والإمكانات التي تمكنه من تنفيذ المشروع، ومع ذلك لم يعزل المجتمع عن عملية البناء، ولم يكتفِ بما عرضوه عليه من مال، بل أراد منهم المشاركة الفعلية بالقوة والعمل.

إن هذا النموذج يقدم درساً مهماً في مفهوم التنمية؛ فالمجتمع لا ينبغي أن يكتفي بدفع الأموال أو انتظار الآخرين ليبنوا له مشاريعه، وإنما يجب أن يكون جزءاً من عملية الإنجاز نفسها. فالمشاركة في العمل تجعل الناس يشعرون بأن المشروع مشروعهم، وأن المنجز ملك لهم، وبالتالي يكونون أكثر حرصاً على حمايته والمحافظة عليه وتطويره.

ولو أن ذا القرنين قبل المال وقام ببناء الردم وحده دون مشاركة المجتمع، لربما بقي المشروع مجرد إنجاز قام به شخص أو جهة لصالح مجتمع، لكنه حين أشركهم في العمل، تحول المشروع إلى مسؤولية مشتركة، وإلى تجربة عملية عززت لديهم الشعور بالمشاركة والمسؤولية.

وهذا هو بالضبط ما نحتاج إليه اليوم في عملنا التنموي؛ فالانتقال من ثقافة انتظار المشاريع إلى ثقافة المبادرة والمشاركة في صناعتها يمثل أساساً مهماً لتحقيق التنمية المستدامة. فالمشاركة المجتمعية تبدأ من تحديد الاحتياجات والأولويات، مروراً بالتخطيط والتنفيذ، وصولاً إلى المتابعة والمحافظة على المنجزات. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، وشملت مختلف فئات المجتمع، وتنظمت جهود الناس في الجمعيات التعاونية، وتكاملت مع مؤسسات الدولة، أصبحت التنمية أكثر ارتباطاً باحتياجات الناس وأكثر قدرة على الاستمرار. فالمشاركة المجتمعية الواسعة ليست مجرد وسيلة لتنفيذ المشاريع، إنما هي أحد مبادئ العمل التنموي ومنهج لبناء الإنسان وتعزيز المسؤولية واستنهاض الطاقات، لتتحول التنمية من مسؤولية جهة واحدة إلى مسؤولية الجميع، ومن مشاريع تنفذ للناس إلى مشاريع يصنعها الناس ويحافظون عليها ويطورونها..

You might also like