جغرافيا الدم والنفط.. كيف يجزّئ النظام الدولي مفهوم الإنسانية؟

إب نيوز 7 نوفمبر

دينا الرميمة

في المشهد السياسي الدولي المعاصر، لم تعد الإنسانية قيمة أخلاقية مطلقة، بل أداة سياسية مرنة تُفصّل على مقاس المصالح والنفوذ.

هناك، على رقعة الشطرنج التي تمثلها الأرض اليمنية،

في هذا المدى الممتد على وجع الأرض، تجلت أبشع صور هذا التقييم البراغماتي للبشر، هناك، تحت سماء اليمن المثقلة بالغبار والحنين، لسنوات طوال، كانت الآلة العسكرية للمرتزقة والتحالف السعودي تصب نيرانها فوق المدن والأحياء السكنية،

والأحلام الغضة، محولةً حياة الملايين إلى جحيم مستمر من القصف والحصار، كان الموت في اليمن مجرد رقم عابر في شاشات الأخبار العالمية؛

 بينما كان المجتمع الدولي من حولنا يمارس دور المتفرج ويتدثر بصمت كفنٍ بارد، أعمى لا يرى سوى ما تشتهيه خزائنه، مغلفاً تواطؤه ببيانات القلق الروتينية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، انزوى ضمير العالم في ركن مظلم، غاضاً طرفه عن أنين الأطفال وجوع الأمهات الحاضنات للتراب.

لم تهتز لوعة العواصم الغربية، ولم تنهمر من عيون الهيئات الدولية قطرة حزن واحدة على أشلاء اليمنيين المعجونة بتراب أرضهم. كان العالم ولا يزال يمرّ فوق مأساتنا كما يمرّ عابر سبيل غريب فوق رصيف منسي، تاركاً الجرح ينزف، ومباركاً بكبرياء زائف كفّ القاتل وسكينه، هذا الصمت الكوني لم يكن عفوياً، بل كان نتاج معادلة سياسية واقتصادية دقيقة، يزن فيها صناع القرار الدوليون دماء المستضعفين بميزان الصفقات ومبيعات الأسلحة واستقرار أسواق الطاقة. كانت أشلاء الأطفال في صنعاء والحديدة وصعدة تُدرج في هوامش التقارير كـ “أضرار جانبية” لا تستدعي اتخاذ مواقف حازمة أو فرض عقوبات، وبهذا شرعنت المنظومة الدولية للجاني جنايته، ومنحته صكوك الغفران بذريعة “السياسة والمصالح المشتركة”. وكانت كل مواقفها تشكل غطاءً دبلوماسياً كاملاً لمواصلة خنق شعب بأكمله عبر حصار جائر منع الدواء والغذاء، في محاولة لكسر إرادته السياسية،

غير أن هذه المعادلة المفروضة بقوة السلاح لم تدم؛ إذ فرضت صنعاء تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك عندما قررت ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع المشروع عن النفس.

هنا، تحركت المسيرات والصواريخ اليمنية في مسارات دقيقة، متجاوزةً المدنيين، لتضرب في عمق الشرايين الحيوية للعدوان—مستهدفةً مطاراته العسكرية وحقول نفطه. كان هذا الرد رسالة سياسية بليغة بالحديد والنار، مفادها أن استمرار استباحة اليمن لن يمر دون رد وان الثمن سيكون باهظ حين يطال عصب الاقتصاد الإقليمي والدولي.

ومع أولى الضربات الردعية، سقط قناع الحياد المزيف وتبدلت اللغة السياسية للعواصم الكبرى في لمح البصر، تحول الصمت الدولي المريب إلى ضجيج صاخب، وبدأت ماكينات الإعلام والدبلوماسية الغربية في التباكي والنحيب على “أمن الطاقة” و”استقرار الملاحة”وبدأت عواصم القرار “تتباكى” على براميل النفط ومدرجات الطائرات، بكت على مصالحها الاقتصادية التي هددها بأس اليمني وصموده،

وارتدت المنظمات الدولية ثوب الإنسانية الفضفاض، وكأن الحديد والوقود في ميزانهم أغلى وأثمن من أرواح آلاف الأطفال الذين حُرموا من الدواء والغذاء لسنوات تحت وطأة الحصار والعدوان، إن هذا التباكي الدولي ليس إلا دليلاً على سقوط قناع الأخلاق الذي يرتديه هذا العالم، وتأكيداً على أن القانون الدولي لا يحمي المستضعفين، بل يحرس خزائن المعتدين.

 إن هذا التحول الفاضح يكشف عقم النظام الدولي؛ حيث اهتزت الضمائر فجأة لسلامة المنشآت الحجرية وبراميل النفط، بينما لم تحركها سنوات من الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج بحق شعب بأكمله.

إنها الإنسانية في نسختها الرأسمالية المتوحشة وحين تتجزأ؛ تملك عيوناً صقرية لرصد أي تهديد يمس حقول النفط ومصالح الأقوياء، وتصاب بالعمى التام أمام جثث الصغار التي يطحنها بارود الطائرات ويلتهمها الحصار بصمت، هذا التباكي الدولي ليس مجرد نفاق عابر، بل هو اعتراف صريح بأن المنظومة الدولية لا تحمي المبادئ، بل تحرس الخزائن. وسيكتب التاريخ أن اليمن، رغماً عن التواطؤ الدولي وقسوة العدوان، استطاع بوعيه وصموده أن يعري زيف هذه الحضارة، ويثبت أن الكرامة الوطنية والسيادة لا تُستجدى من روق المنظمات، بل تُنتزع بصمود الشعوب وبأسها وسيُخلّد التاريخ أن هناك شعباً، رُغم قسوة الجوع والنار، علّم الكون كيف تولد الكرامة من رحم الركام، وكيف يغدو الحق أقوى من جبروت الطغاة.

You might also like