نيويورك تايمز: اليمن.. أسوأ أزمة إنسانية في العالم أصبحت جزءاً من كتب التاريخ.

 

 

إب نيوز 28 أغسطس
بعد عامين ونصف من الحرب، أصبحت اليمن دولة منهارة، توقفت فيها مظاهر الحياة إلا قليلاً، ودمر القصف المتكرر الجسور والمستشفيات والمصانع، ولم يجد الموظفون والأطباء مرتباتهم، فضلاً عن سوء التغذية والخدمات الصحية، جعلت من أبناء البلد عرضة للوفاة نتيجة أية أمراض، حتى إن توقف مطار صنعاء عن العمل منذ أكثر من عام، ترتّب عليه توقف حركة السفر والنقل التجاري.

وبسبب سوء التغذية وغياب المرافق الصحية تعرضت أفقر دولة في الشرق الأوسط لموجات من الأمراض التي أصبحت جزءاً من كتب التاريخ. وفي أقل من ثلاثة أشهر قتلت الكوليرا ألفي شخص وأصابت نصف مليون في واحدة من الموجات التي لم يشهدها العالم منذ 50 عاماً.

وقال يعقوب الجيفي وهو جندي يمني من صنعاء لم يتقاضَ مرتبه منذ 8 أشهر، ويعول أسرة من 6 أفراد “إنه الموت بالبطيء”، كما تعاني ابنته من سوء التغذية، وتلقت ابنته علاجاً من سوء تغذية مزمن في المستشفى بالعاصمة صنعاء، وتعيش على الحليب واللبن اللذين يقدمهما الجيران لها، ولكنهما ليسا كافيين لتعافيها، حيث أصبح جسدها كخرقة بالية.

ولم يستطع الجيفي مثل نصف اليمنيين الوصول إلى العيادة الطبية الوحيدة العاملة في قريته، ولهذا اقترض الجيفي أموالاً من أقاربه وأصدقائه كي يعالج ابنته في العاصمة. ويقول: “نحن ننتظر النهاية أو تفتح السماء علينا”.

كيف انهار بلد في منطقة غنية بالثروة ودخل هذا المنزلق؟
إن اليمن طالما كان أفقر بلد في العالم العربي وعانى من حروب ونزاعات مستمرة. وبدأ النزاع الأخير في عام 2014 عندما قام الحوثيون بالسيطرة على العاصمة وأجبروا الرئيس على الهروب إلى المنفى. وفي مارس 2015 شنت السعودية وتحالف من الدول العربية عملية عسكرية بهدف اعادة هادي. وحتى الآن فشل التحالف في تحقيق اهدافه المعلنة، ولا يزال البلد منقسما بين المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وحلفائهم وتلك التي تسيطر عليها “حكومة” هادي والداعمون العرب لها في الجنوب.

انهيار دولة:
وقد قتلت العديد من الغارات الجوية للتحالف وجرحت الكثير من المدنيين، بمن فيهم الذين سقطوا في يوم الأربعاء في غارات على وحول العاصمة صنعاء. كما دمر القصف المستمر البنية التحتية للبلاد، خاصة الموانئ الحيوية والجسور المهمة والمستشفيات والمرافق الصحية والمصانع، وتوقفت الخدمات التي كان يعتمد عليها اليمنيون في حياتهم، وأثر الدمار للبنى التحتية على الاقتصاد اليمني الضعيف. بل وعقد القصف من مهمة المؤسسات الإنسانية لإدخال المساعدات وتوزيعها على المحتاجين.

وأدى القصف لإغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الملاحة المدنية لمدة عام، وهذا يعني أنه لا يمكن نقل البضائع التجارية ولا الجرحى والمرضى اليمنيين لتلقي العلاج في الخارج، وقد مات كثير منهم. ولم يتلق الموظفون المدنيون في كلا الإدارتين المتنازعتين رواتبهم منذ أكثر من عام بشكل زاد من فقرهم خاصة أن فرص العمل في ظل الحرب غير متوفرة.

وأكثر المتضررين من توقف الرواتب هم العاملون في القطاعات الضرورية التي تتعامل مع الأزمة مثل الأطباء وقطاع التمريض ونظام المرافق الصحية والفنيين بشكل أدى لانهيار هذه القطاعات.

الكوليرا المدمرة
وأضيف لهذه الكوارث، كارثة الكوليرا التي انتعشت في ظروف الحرب. وانتشرت البكتيريا في المياه الملوثة وفي مياه المجاري. وبسبب تراكم أكوام القمامة وتدمير المرافق الصحية بات اليمنيون يعتمدون على مياه الآبار الملوثة للشرب. وزاد هطول المياه من تلوث الآبار.

وفي الدول المتطورة لم تعد الكوليرا مرضا يهدد الحياة ويمكن علاجه بسهولة باستخدام المضادات الحيوية لو أصبح متقدما وخطيرا. إلا أن اليمن الذي يعاني من انتشار سوء التغذية، خاصة بين الأطفال اضحى مناخاً جيداً لانتشاره.

وقالت ميريشتل ريلانو الممثلة المقيمة لليونيسيف في اليمن: “مع انتشار سوء التغذية بين الأطفال فلو أصيبوا بالإسهال فلن يتعافوا”.

وخارج عيادة علاج الكوليرا في صنعاء كان محمد ناصر ينتظر الأخبار عن ابنه وليد البالغ من العمر 6 أشهر وأصيب بالمرض. وناصر عامل زراعي فقير اقترض المال لنقل ابنه لصنعاء ولا يملك المال الكافي للعودة إلى بلدته حتى لو تعافى ابنه. وقال إن “وضعي سيء”.

ولمواجهة انتشار الكوليرا أقامت العيادة خمس خيام في الخلف لاستقبال الأعداد المتزايدة من المرضى. ويخشى الباحثون من استمرار انتشاره بهذه المعدلات بحيث يتفوق على الحالات التي أصيب بها سكان هاييتي بعد الهزة الأرضية المدمرة في عام 2010.

ولا تستطيع منظمات الإغاثة إعادة الخدمات التي من المفترض أن توفرها الحكومة. وهذا يعني ان هناك فرصة قليلة لتحسن الأوضاع إلا في حالة توقف الحرب.

وتقول ميريشتل ريلانو: “نحن في العام الثالث تقريبا من الحرب ولم يتحسن أي شيء وهناك محدودية لما يمكننا عمله في هذه الدولة المنهارة”.

وترى الأمم المتحدة أن الوضع في اليمن هو أكبر أزمة إنسانية حيث تحتاج أكثر من 10 ملايين لمساعدات عاجلة ويمكن ان يتدهور الوضع أكثر.

وحذر بيتر سلامة، المدير التنفيذي للبرامج الطارئة في منظمة الصحة العالمية أنه مع انهيار الدولة نشاهد انتشار وباء الكوليرا وربما رأينا انتشار أوبئة أخرى في المستقبل.

التورط الدولي
لا إشارة عن نهاية الحرب حيث توقفت الجهود السلمية التي ترعاها الأمم المتحدة ولم يظهر أي من الأطراف المتنازعة استعدادا للتنازل. ولا يزال الحوثيون وحلفاؤهم يحكمون السيطرة على العاصمة فيما تعهد السعوديون بالقتال حتى يستسلم الطرف الآخر.

وتقول الأمم المتحدة إن اليمن بحاجة إلى 2.3 مليار دولار مساعدات إنسانية هذا العام، إلا أنها لم تحصل إلا على 41% من هذا المبلغ. وتعتبر الأطراف المشاركة في الحرب من أكثر الدول المانحة، حيث تقدم السعودية والإمارات مبالغ. إلا أن النقاد يقولون إنهما تنفقان على الجهود الحربية أكثر من الجهود الإنسانية، وحصارهما لميناء الحديدة واغلاق مطار صنعاء ترك أثرا مدمرا على المدنيين.

وتعتبر الولايات المتحدة من المانحين الكبار لكنها من أكبر مزودي السلاح لدول التحالف الذي تقوده السعودية. ومع أنها ليست متورطة مباشرة في الحرب إلا أنها قدمت الدعم العسكري للتحالف وعادة ما يعثر اليمنيون على بقايا الذخيرة الأمريكية الصنع بعد غارات جوية قاتلة.

ولا شيء من هذا يبشر بالخير بالنسبة للمدنيين اليمنيين.
وقال صالح الخولاني الذي هرب من منزله في شمال اليمن مع زوجته وستة اطفال بعد ان بدأ التحالف الذي تقوده السعودية بشن الحملة، ان “الحرب لا تزال تلاحقنا من كل الاتجاهات وفي كل مكان نهرب اليه”. ثم هرب الخولاني مرة أخرى إلى صنعاء، بعد أن ضربت غارة جوية المخيم حيث كانوا يسعون إلى المأوى، وقتلت عددا من أقاربه، عاشوا في الشوارع لفترة يتسولون ويعلق: “أحيانا نحصل على طعام الغذاء وأحيانا لا نجد ما نأكله”.

صحيفة “نيويورك تايمز”
*بن هوبارد، شعيب المساوى، تروي غريجس
ترجمة خبر للانباء

You might also like