اللواء الأخضر

متى نصرُ الله ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبت /وفاء الكبسي

في ظلِ هيمنة الباطل وانتشار سطوتهُ على الأممِ والشعوب ، مع مايقابلهُ من استضعاف للأمة الإسلامية ، وبُعد الكثير منّا عن منهج الله القويم فإن أهل الحق دائماً يتطلعون إلى ذلك اليوم الأبلج التي ترتفع فيهِ راية الحق خفاقةً في أرجاء المعمورة، وينتشر أنوار هذا الدين الإسلامي الحنيف ليضيء هذا العالم الذي اثقلته قيود الكفر والطغيان ، ولكي نصل إلى طريق النصر والخلاص من هذا الواقع الكئيب علينا الرجوع إلى كتاب الله العزيز لنأخذ منهُ السُننّ الكونية والنفسية التي تساعدنا لتحقيق هذا المراد، لذلك اخترتُ هذه الآية العظيمة قال تعالى:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }
هذه الآية نزلت يوم الأحزاب حينَ عانى المسلمون أقسى لحظات الأذى النفسي والجسدي من البرد وضيق العيش، وتكالب قوى الكفر والطغيان، فعلاً التاريخ يُعيدُ نفسهُ، نعيشُ نفس الأحداث من الأذى، وضيق العيش، وتكالب قوى الكفر والطغيان في العالم علينا؛ لتزيل وجودنا؛ لأن بزوالنا زوال آخر معاقل الإسلام الحنيف من على الأرض، وليس أبلغ وصف لحالنا هذا إلاّ قوله تعالى:
{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا }
هذه العدوان الجائر شَنَّ علينا عدة حروب في آنٍ واحد حروب سياسية، وعسكرية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية لأكثر من ألف يوم، عبث وعربد في البلاد والعباد فلم يبقِ ولم يذر، حصد كل شيء حتى الموتى طالتهم صواريخ هذا العدوان، ومن لم يَمت بصواريخهم فإنهُ يموت جوعاً ومرضاً، كذلك حاول تمزيق النسيج الإجتماعي بالتفرقة المذهبية والمناطقية المقيته ، كذلك عَمدَ لزرع الفتن آخرها فتنة زعيم ميليشيا الخونة عفاش وغيرها من المحن والمؤامرات حتى بلغت القلوب الحناجر وظنّ البعض من قاصري الإيمان بالله الظنون، وابتلي المؤمنون الصابرين الثابتين المجاهدين بالزلزلة التي هي هذه الحرب الإقتصادية الشرسة التي كل ماتخطينا محنة جاءتنا محنة وابتلاء أكبر منها، مثال لذلك أزمة انعدام وارتفاع أسعار الغاز مع أنها أزمة مفتعلة من العدوان وأدواته من المنافقين في الداخل والكثير يعلم هذا إلاّ أن كان فيها التمحيص الشديد للمؤمنون حتى يميز الله الخبيث من الطيب..
متى نصرُ الله؟!
هذا السؤال ليس معناهُ التشائم أو الشك في وعود الله أو قلة الوعي والإيمان ؟!
لأن هذا السؤال سألهُ رسولنا الأعظم وأصحابة من قبلنا عندما واجهوا تكالب قوى الشر عليهم وجميع المؤامرات والمخططات ، هذا السؤال إنما يدلُ على عظم المعاناة التي عاناها رسول اللهِ وأصحابه آنذاك، وهو سؤال لتثبيت القلوب على مثل هذه المحن المزلزلة ، فلا يحسب الإنسان بحساباتهِ القاصر بأنه سيدخل الجنة ولم يصيبه مثل ما أصاب الذين من قبلنا من الأنبياء والرسل من الشدائد والإختبارات، ولم يجاهد ويصبر ويثبت حِيَّال كل المحن والشدائد، لقد ابتلينا بالبأساءِ وهي شدة الحاجة والفاقة جراء هذا العدوان الظالم والحصار الخانق، ثم بالضراء وهي الأمراض والأوبئة المتعددة من الكوليرا إلى الدفتيريا وغيرها من الأمراض التي شَنها علينا هذا العدوان إما برشنا بالسموم والأمراض، وإما بفعل الأسلحة المحرمة دولياً وبالحصار الخانق لكل منافذ الحياة البرية والبحرية والجوية..
لقد زلزلنا زلزالاً شديداً حتى سأل البعض منّا متى نصرُ الله ؟! سؤال سألناهُ ونحن واثقون بأن الله هو ناصرنا، وأن النصرُ قريبٌ جداً، وأن اللهُ مُظِهرنّا على أعدائنا ، ومُعلي كلمتنا ولو كرهَ الكافرون..
هذا السؤال مع الإيمان، والثقة لهُ تبعات كثيرة منها: أنهُ يثبت القلوب على كل المحن المزلزلة حتى يأتي النصر و هي ظاهرة إيمانية صحية فرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والذين معهُ سألوه وهم يقومون بواجب الجهاد والدفاع عن الإسلام، وليسوا ممتنعين عن القيام بواجبهم وهذا هو نفس حالنا اليوم في ظل هذا العدوان الغاشم والحصار الخانق ، فنحن نقوم بجميع مسؤلياتنا أمام الله من الصبر والثبات والجهاد..
هذا النصرُ في ظاهرهِ أنهُ قد يتأخر، ويستبطئهُ المؤمنون؛ لحكمة يريدها الله، ولأسباب لا يعقلها إلاّ من وهبه الله نظراً ثاقبا،ً وفهماً عميقاً للأمورِ والأحداث، ومن تلك الأسباب كوننا مازلنا غير مؤهلين لحمل راية الإسلام، لأننا لو نلنا النصر سريعاً لفقدناهُ سريعاً؛ لعدم قدرتنا على حمايته طويلاً، وقد يبطيء النصر؛ لأن الله -سبحانه ُوتعالى- يريدُ منّا أن نزيد من صلتنا وقربنا منهُ ، وأن نجرد

نوايانا من كل ما يشوبها من حب للظهور أو طلبٍ لأطماع دنيوية أو مآرب شخصية، فإذا توافرت أسباب النصر عندها نكون جديرين بنصرُ الله تعالى ، ومن ناحية أُخرى قد يتأخر النصر؛ لأن الباطل الذي نحاربه لم تنكشف حقيقته الكاملة للبسطاء من الناس، وبالتالي لم يقتنعوا بعد بفساده، وضرورة زواله، فيحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت والجهد لكشف زيفه، وبيان بطلانه، حتى يتقبّل الناس ذلك النصر، ويكون لهُ أعظم الأثر في نفوسهم بعدما تبيّنت لهم حقيقة بطلانه، وأثره السيء على دينهم ودنياهم حتى متى ما انتصرنا على قوى الشر والباطل حينئذٍ لم يجد هذا العدوان وادواتهِ من يَذرُف الدموع عليهم، ويأسف على زوالهم.
وكما صبر رسولنا الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابة فنحن صابرون على ما أصابنا، وسنؤدي ماعلينا من مسؤولية في الدفاع والجهاد وبيان زيف وخداع هذا العدوان وبطلانهِ حتى يأتي النصرُ المبين..
واثقون كل الثقة بأن النصرُ قريبٌ ومؤكد؛ لأننا لا نجد في كتاب الله أبداً أن النصرُ يُبذل للمؤمنين من غير تضحيات وابتلآت وصبر على الأذى ، النصرُ مُدخر لمن يستحقونه ولن يأتي بغير تعب وتضحية وسيأتي قريباً و في وقته ، وتأخره هو لحكمة إلهية؛ لأن في تأخره تربية إلهية، وتأهيل لنا لأمر عظيم وهو استخلاف الأرض وماعليها فهذا وعد من الله والله لايخلف وعده..
قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}
النصرُ قريبٌ جداً وهو لن يكون إلاّ لمن ثبتوا على البأساء والضراء ، وصمدوا أمام الزلزلة ولم يَحنّوا رؤوسهم أمام عاصفة العدوان العاتية..
وهو للذين يستيقنون أن النصرُ من عندِ الله، وعندما يشاء وإن بلغت هذه المحنة ذروتها فأنا سنظل على عهدنا ماضون على درب الجهاد والدفاع والصبر والثبات ولن نحيد عنهُ أبداً، حتى وإن لم يبقَ لنا سوى مساحة مترس فإنا سنظل على عهدنا حتى يتم اللهُ أمره ويعلي كلمته، وينصر دينهُ ، وتنتشر الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله تعالى أن يُرينا ذلك اليوم، وما ذلك على الله بعزيز.

#وفاء_الكبسي

You might also like
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com