حين تتكلم صنعاء بلسان الوطن

 

إب نيوز 12 يناير

 

في زمن تاهت فيه البوصلة واشتد فيه ليل الوصاية يخرج الصوت من صنعاء عاليا ثابتا، كأنه صدى الجبال حين تقسم أن لا تنحني.

 

بيان مجلس النواب لم يكن حبرا على ورق، بل كان صرخة وعي، وميثاق كرامة، وتجديد عهد مع اليمن التي لا تباع ولا تستأجر.

 

 

 

 

إنه بيان كتب بلغة السيادة، وتكلم بلسان التاريخ، وأعاد تعريف الموقف حين اختلطت المسميات، وتزاحمت الأقنعة. سمى الأشياء بأسمائها، فلم يوار الخيانة بديباجة دبلوماسية، ولم يُجمل العدوان بمصطلحات ناعمة. قالها بوضوح الشمس: لا شرعية لوصاية، ولا وطن لمن يرهنه، ولا سلام يُبنى على حراب المحتلين.

 

 

 

 

وحين حذر البيان من التحركات المشبوهة، لم يكن يستدعي الخوف، بل كان يستنهض الوعي. فاليقظة هنا ليست حالة عسكرية فحسب، بل حالة وجدانية وطنية؛ أن يعرف اليمني من أين يأتي الخطر، وكيف يتسلل، وبأي ثوب يتخفّى. إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الجيوش الغازية وحدها، بل الواجهات المحلية التي تمهّد لها الطريق.

 

 

 

 

وفي توصيفه الواضح للدور السعودي، أعاد البيان تصويب السردية، ونزع القناع عن محاولات إعادة التدوير السياسي. فالعدوان لا يتحول إلى شرعية بتغيير الأسماء، ولا يصبح التدخل وصاية حميدة بتبدّل الخطاب. السيادة لا تتجزأ، والكرامة لا تدار من الخارج.

 

أما دعوته للقوات المسلحة والأمن، فهي دعوة لحراسة الحلم قبل الأرض، ولحماية المعنى قبل الحدود. إنها رسالة مفادها أن اليمن، بتاريخها وجغرافيتها وجزرها ومياهها، ليست فراغا جيوسياسيا، بل وطن يعرف أبناءه، ويثق بسواعدهم.

 

 

 

 

وحين وصف تشكيل ما سُمّي باللجنة العسكرية العليا بالخيانة العظمى، فقد وضع النقاط على الحروف: لا دستور يُداس باسم الترتيبات، ولا وحدة تُنتهك باسم الاستقرار، ولا جيش يدار من غرف الخارج ثم يُطلب منه أن يكون وطنيًا. فالجيوش التي لا قرار لها لا تحمي أوطانًا، بل تحرس مشاريع غيرها.

 

ورغم الحزم، لم يُغلق البيان باب السلام، بل أعاد فتحه في مكانه الصحيح؛ في الداخل، بين أبناء الوطن الواحد، بعيدًا عن سماسرة الحروب وتجار الوصاية. سلام يولد من الحوار الصادق، لا من الإملاءات، ومن الشراكة الوطنية لا من الارتهان.

 

 

 

 

وفي ذروة الوجدان، يعلن البيان موقفا لا لبس فيه: اليمن ليست ساحة، ولا غنيمة، ولا منصة لمشاريع الغرب والصهااينة. إنها أرض لها أهلها، وبحرٌ له حراسه، وجزر تعرف أسماء أبنائها. من أراد اليمن فليأتِ يمنيًا، ومن خانها فستلفظه كما تلفظ الأرض الغريبة جسد الدخيل.

 

 

 

 

هذا البيان ليس خطاب مرحلة، بل بوصلة أمة، يذكرنا بأن الكرامة خيار، وأن السيادة ممارسة، وأن الوطن لا يحميه الصمت.

 

 

 

 

هو دعوة لكل يمني أن يكون حيث يجب أن يكون: في صف اليمن، لا في ظل الآخرين؛ في قلب المعركة من أجل الوعي، لا على هامش التاريخ.

 

 

 

 

هكذا تتكلم صنعاء حين تقرر أن تقول كلمتها، وهكذا تُكتب المواقف حين يكون الوطن هو العنوان، والسيادة هي السطر الأول… والأخير.

 

 

عبدالواحد المروعي

 

22 رجب 1447هـ

You might also like