من ردع الحصار إلى مواجهة المخطط الشامل: القراءة الاستراتيجية لخطاب قائد الثورة
إب نيوز 30 يوليو
نبيل الجمل
شَكَّلت الكلمةُ التي ألقاها قائدُ الثورة، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، محطةً مفصليةً في مسار المواجهة الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة، حيث أرسى من خلالها معادلةً استراتيجية جديدة تُوازن بين العمليات العسكرية الميدانية وضغط الحصار الاقتصادي. إن التصريح المباشر بتثبيت معادلة “**الحصار بالحصار**” والتأكيد على مواجهة التصعيد الشامل للنظام السعودي بتصعيدٍ يمنيٍّ شامل، يعكس تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك، ويقطع الطريق أمام محاولات الفصل بين الملف الإنساني في اليمن والتطورات الإقليمية المرتبطة بإسناد قطاع غزة.
تستند هذه الكلمة إلى قراءة سياسية عميقة لواقع الصراع الممتد على مدى عقدٍ ونيف؛ إذ يربط التحليل بين السياسات الاقتصادية والسيطرة على الثروات الوطنية اليمنية من جهة، والتحركات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى. يُسلط الخطاب الضوء على حقيقة أن استمرار حرمان الشعب اليمني من عائدات نفطه وغازه وإيراداته المباشرة—والتي تمس احتياجاته الأساسية كالكهرباء والمرتبات—لم يعد مجرد إجراء إداري أو أداة ضغط سياسي، بل يُعد امتداداً لاستراتيجية استنزاف شاملة تُدار بإشرافٍ أمريكي لتجريد اليمن من مقومات قرار سياسي مستقل وإخضاعه لمعادلة التحكم الخارجي.
وعلى الصعيد الإقليمي، يتجاوز التحليل السياسي للكلمة البعد المحلي ليربط بين ما يتعرض له اليمن وبين المخطط الصهيوني الشامل في المنطقة. فقد أوضح الخطاب أن الإجراءات السعودية الأخيرة بتشديد الحصار جائت كاستجابة مباشرة لدور اليمن في معركة “طوفان الأقصى” وإسناد الشعب الفلسطيني، مما يضع هذه السياسات في خانة الخدمة المباشرة للمشروع الصهيوني-الأمريكي الذي يهدف إلى إعادة تشكيل “الشرق الأوسط” عبر إنهاك القوى الحية والأصيلة في المنطقة، واستعباد الشعوب ذات التاريخ والمقومات الحضارية التي تشكل عائقاً أمام طموحات الهيمنة الإسرائيلية الكبرى.
كما تضمن الخطاب قراءة واضحة للمواقف العربية والإقليمية، مفرقاً بين مشروعين متناقضين: مشروع يُبنى على التبعية والارتهان لمنظومات غربية وصهيونية تجرد الأمة من كرامتها وحريتها، ومشروع تقوده قوى ومحور الجهاد والمقاومة والقدس، والذي ينطلق من مبادئ وقيم إسلامية وإنسانية مشتركة ويسعى لتحقيق الاستقلال الفعلي والتعاون بين أحرار الأمة لمواجهة هذا الطغيان. وفي هذا السياق، تأتي الإشارة إلى التفاعل الشعبي الواسع في “جمعة التحذير والنفير” لتؤكد تمسك الشعب اليمني بهويته الإيمانية وقدرته على استعادة زمام المبادرة الميدانية والاقتصادية، محذراً من أن سياسة استغلال صبر اليمنيين أو مراهنة الأعداء على إيصالهم إلى حالة الانهيار التام تظل رهاناً خاسراً أمام شعب جعل من أرضه تاريخياً مقبرةً للغزاة ومحاطاً بإرادة صلبة لا تقبل المساومة على الكرامة والاستقلال.