انتحار بطيء على رصيف الوهم

إب نيوز 14 سبتمبر

*دينا الرميمة

في عمق الليل، حيث يصمت العالم وتستيقظ الأفكار المتربصة في زوايا الروح، يلوح خيط رفيع من الدخان. بدايته نفثة بريئة في مسرح الحياة يبحث فيها صاحبها عن قناع زائف للرجولة، أو مهرب مؤقت من قلق الأيام وعثراتها.

لكن تلك اللفافة البيضاء الصغيرة سرعان ما تتحول من خادم مطيع يمنح صاحبها هدوءًا وهميًا إلى سيد مستبد يمتص نضرة العمر ويستعبد الإرادة. يظن المدخن أنه يتحكم بسيجارته، بينما تمسك هي بتلابيب روحه وتجرّه ببطء نحو حتف هادئ؛ في انتحار مقسّط لا تظهر فداحة أقساطه إلا بعد أن تتراكم في الجسد.

يحرق المدخن رئتيه ليطلق زفيرًا رماديًا يلوث الهواء من حوله، ويسلّم جسده، الذي هو أمانة الخالق، إلى دخان فيحيله خرائب مسكونةً بالآفات القاتلة. فخلف كل سيجارة تشتعل، هناك شمعة من العمر تنطفئ، وأسرة تتجرع مرارة الخوف أو الفقد، وطفولة يختنق نقاؤها داخل غرف المدخنين.

لتتركهم فيما بعد مجرد أعقاب ملقاة على هامش الحياة.

يُصنّف التدخين عالميًا ضمن أبرز أسباب الوفاة المبكرة التي يمكن الوقاية منها. ووفقًا لأحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، يتسبب التبغ في وفاة أكثر من سبعة ملايين شخص سنويًا، بينهم أكثر من 1.6 مليون من غير المدخنين الذين يتعرضون للتدخين السلبي.

وهنا يبرز سؤال مهم: أين يكمن الخطر الأكبر؛ في النيكوتين أم في دخان التبغ؟

يؤكد الخبراء أن الناس يدخنون للحصول على النيكوتين ولكن يموتون بسبب “التدخين”.

ومن خلال التحليل الكيميائي لدخان التبغ، فقد وجدوا أنه يحتوي على أكثر من 7000 مادة كيميائية، منها 250 مادة سامة على الأقل، وما يزيد عن 69 مادة معروفة بأنها مسببة للسرطان. تشتمل هذه المواد على: النيكوتين وهي المادة الشديدة المسببة للإدمان، والتي تصل إلى الدماغ في غضون ثوانٍ لتفرز الدوبامين. فتمنح المدخن شعورًا بالراحة المؤقتة، وتكمن خطورته في أنه السبب الرئيسي وراء العلاقة الوثيقة بين المدخن وسيجارته التي تكبله وتجعله أسير التبعية المطلقة لها،

بالإضافة إلى أنه يحوي أول أكسيد الكربون: وهو غاز سام يرتبط بهيموغلوبين الدم أسرع من الأكسجين، فيقلل كمية الأكسجين مما يقلل من تروية الأعضاء،

أما القطران: فهو مادة لزجة بنية اللون من المواد الكيميائية الناتجة عن احتراق التبغ، يحتوي على مواد مسرطنة تترسب في الحويصلات الهوائية، وتلحق الضرر بأنسجة الرئة.

ما يؤكد أن الدخان هو وراء كل ذلك الخراب داخل الأنسجة الحية وأنه المكون الأخطر في عملية التدخين، كما أن خطره مضاعف وجريمته مركبة، حيث لا يكتفي بالإضرار بالمدخن، إنما يطال كل من يستنشقه ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن. كما يخلق داخل المنزل حاجزًا من النفور بسبب رائحته، ويهدم مفهوم القدوة؛ فالأب أو الأخ الأكبر المدخن يقدم للأبناء نموذجًا سلبيًا قد يدفعهم إلى تقليده، وبذلك تنتقل هذه الآفة من جيل إلى آخر.

وقد يسهم الاعتماد على النيكوتين، وما يصاحبه من حاجة متكررة إلى التدخين، في زيادة التوتر وتقلب المزاج، الأمر الذي ينعكس أحيانًا على استقرار الأسرة ويهيئ بيئة مشحونة بالخلافات والمشاحنات.

أضف إلى أن الإنفاق على السجائر يعد استنزافًا مباشرًا لدخل الأسرة؛ لا ينتهي بشراء علبة السجائر اليومية، بل يمتد مستقبلاً ليتحول إلى فاتورة علاجية باهظة للسرطانات والأمراض المزمنة التي تصيب المدخن أو عائلته، مما يدفع الأسر إلى حافة الفقر والديون الخانقة. خاصة في المجتمع اليمني، حيث تحمل مشكلة التدخين أبعادًا أشد تعقيدًا؛ بسبب تداخلها مع الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي خلفتها الحرب والحصار. فالسيجارة لم تعد مجرد عادة ضارة أو ترف عابر، بل أصبحت عبئًا صحيًا واقتصاديًا أشبه بقنبلة موقوتة تنفث سمومها القاتلة وتلتهم الأرواح وجزءًا من موارد أسر تكافح أصلًا لتوفير احتياجاتها الأساسية، في ذات الوقت الذي يخوض فيه صندوق مكافحة السرطان معركة يومية لتخفيف معاناة المرضى وإنقاذ الأرواح.

ولذا ومن باب مسؤوليته الوطنية والإنسانية التي حملها على عاتقه،

كونه خط الدفاع الأول في اليمن والملجأ لآلاف المرضى، فهو يبذل جهودًا لمواجهة التزايد المستمر في أعداد المصابين بالأورام، ولا سيما الحالات المرتبطة بالتدخين واستخدام التبغ بمختلف أشكاله، ودعم وعلاج المصابين، ومحاربة مسبباته، وفي مقدمتها التبغ.

ولهذا يواصل الصندوق حملاته التوعوية الهادفة إلى تعزيز الوعي بمخاطر التدخين، وتصحيح السلوكيات الخاطئة التي قد تبني بيئة حاضنة للخلايا السرطانية، ويسعى جاهدًا لترسيخ ثقافة الوقاية؛ إيمانًا بأن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وأن معركة الحد من السرطان تبدأ بوعي المجتمع وقرار شجاع يتخذه الإنسان في لحظة صدق مع نفسه.

واليوم، وعبر الحملة الثانية عشرة للتوعية بمخاطر التدخين، نشق من قلب صندوق مكافحة السرطان، بحروفنا ورسائلنا، طريقًا إلى قلب كل مدخن:

لا تنتظر حتى تقودك السيجارة إلى أسرّة المستشفيات.

اتخذ اليوم قرارًا يحميك ويحمي أحبابك ويحفظ استقرار بيتك. أطفئها، واعلم أن صحتك وأطفالك ومالك أمانة بين يديك.

ابدأ خطوتك الأولى لكسر قيد هذه اللفافة، قبل أن تقدمك يومًا قربانًا لغبارها الرمادي على مذبح الإدمان.

#الحملة_الوطنية_الثانية_عشر_للتوعية_بمخاطر_التدخين

#قرارك_يحميك

#صندوق_مكافحة_السرطان

You might also like