فتوى المرابطين.. عندما يصبح الدين غطاءً للحرب بالوكالة

إب نيوز ٢٦ سبتمبر

بقلم: الدكتور فيصل سعيد حمود المخلافي

 

البيان الصادر عن دار محراب الأزهر ليس مجرد رد على مفتي، بل هو تشريح دقيق لآلية صناعة الفتوى المسيسة وكشف لهندسة توظيف المقدس في خدمة الصراع. وقد جاء في وقته ليقول كلمة الحق التي خرس عنها الكثيرون، فتحية إجلال لدار محراب الأزهر هذه المؤسسة العلمية المستقلة التي أبت إلا أن تقف في صف الأمة لا في صف الأنظمة، وتحية تقدير لشيخها الجليل الشيخ سلامة عبد القوي الذي عودنا على مواقفه الشجاعة التي تذكرنا بعلماء الأزهر الكبار.

 

كما نوجه تحية حب ووفاء للأشقاء في مصر، مصر الأزهر، مصر الكنانة، مصر التي كانت ولا تزال قلب الأمة النابض وضميرها الحي، فمنها خرج العلماء الربانيون الذين لم يساوموا على دينهم، وفيها شعب عظيم لا تنطلي عليه فتاوى السلاطين، شعب يعرف جيدا معنى الظلم ومعنى الاستبداد، ويعرف أن اليمن ومصر في خندق واحد ضد مشروع الهيمنة.

 

فالدار لم تناقش فضل الرباط بحد ذاته فهو ثابت بالنص القرآني {رَابِطُوا} وبالحديث النبوي “رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها”، وإنما ناقشت هندسة توظيف النص ووضعها في غير موضعها، وهنا يكمن بيت القصيد.

 

فمن زاوية علم النفس السياسي ونظرية التبرير الأخلاقي، فإن السلطة عندما تريد حربا لا تقول للناس اذهبوا اقتلوا لأجل النفط، بل تلبس الحرب لباسا مقدسا، فتسمي العدو عصابة شر وفرقة ضالة وتسمي جنودها مرابطين، فيتحول القتل من جريمة يرفضها الضمير إلى عبادة يطمئن لها القلب.

 

ومن زاوية نظرية الصراع فإن هناك عنفا مباشرا وهو القصف، وعنفا بنيويا وهو الحصار والتجويع، وعنفا ثقافيا وهو الفتوى التي تشرعن الاثنين معا، ففتوى المفتي هنا هي عنف ثقافي بامتياز يشرعن العدوان المباشر ويغطي على الحصار، ويخدم المركز الأمريكي الذي يدير الصراع عن بعد.

 

ولذلك جاءت عبارة الدار المركزية دقيقة حين قالت إن البيان يخدم الرواية الأمريكية، فالسعودية في هندسة الأنظمة ليست فاعلا مستقلا بل وكيل تنفيذي، السلاح أمريكي والاستخبارات أمريكية والغطاء أمريكي، ثم يأتي المفتي ليمنح هذا الوكيل صك الغفران الشرعي.

 

أما السقوط الأخلاقي للفتوى فقد كشفته الدار بسؤالين مزلزلين، أولهما أين الرباط الحقيقي؟ فأولى الثغور هو المسجد الأقصى وغزة تباد جوعا وقصفا، فلماذا استيقظت فريضة الرباط في عدن ونامت في القدس؟ وهنا ينطبق {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}.

 

وثانيهما سؤال الشرعية الذي ينسف السردية من جذورها، فأي شرعية تلك؟ الشرعية لا تمنح من الخارج بل من كتاب الله ورضا الأمة وشوراها {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، فلماذا شرعية اليمن تستورد من واشنطن وتل أبيب ولا تستورد شرعية مصر؟ إنها انتقائية المصالح لا قاعدة الشرع.

 

ومن منظور تربوي فإن دور العالم ليس التحريض بل الإصلاح، وكان الواجب أن يدعو إلى وحدة الصف عملا بقوله تعالى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} لا أن يحرض فريقا على فريق، فاليمن لأهله جميعا.

 

وختمت الدار بالقاعدة الذهبية: من يعمل عند الحاكم لا يستقل في فتواه، فالعالم الحق يقول كلمة الحق عند السلطان الجائر كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم”أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” لا كلمة باطل لتبريره.

 

وخلاصة المشهد أن هذه الفتاوى لم تعد تجيش الجيوش بل أصبحت تصنع الوعي المضاد. فكل فتوى من هذا النوع تفقد المؤسسة الرسمية ما تبقى من رصيدها، وتثبت أن الأزهر الحقيقي ليس هو أزهر السلطة، بل أزهر دار محراب الأزهر وشيخها الفاضل سلامة عبد القوي وأشقائنا الأحرار في مصر، أولئك الذين لا يزالون على ميراث النبوة لا في أبواق السلطان. فجزاهم الله عنا وعن اليمن خير الجزاء.

 

#دار_محراب_الأزهر

#الشيخ_سلامة_عبد_القوي

#مصر_الأزهر

#اليمن

You might also like