لعنة الدولار، من أداة للتبادل التجاري إلى منظومة للهيمنة الأمريكية على النظام العالمي..!!
إب نيوز ٢٧ سبتمبر
غيث العبيدي – كاتب عراقي مستقل.
▪️المقدمة :
تهدف هذه الورقة إلى تفكيك البنية الهيكلية لهيمنة الدولار الأمريكي بوصفه ليس مجرد عملة أحتياط دولي، بل منظومة سيطرة متكاملة تدير النظام المالي العالمي وتوجه مساراته.
وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الدولار قد تحول من أداة اقتصادية محايدة، إلى سلاح جيوسياسي فعال في إطار الحرب الهجينة التي تشنها الولايات المتحدة على محور الشرق الصاعد، وأن العراق يمثل الحالة الأكثر تجلياً ووضوحاً لهذه الهيمنة المركبة.
أولاً: تحول الدولار من عملة ورقية إلى منظومة للهيمنة.
لم يكن صعود الدولار صدفة إقتصادية، بل مساراً مخططاً له عبر ثلاث محطات مفصلية شكلت النظام الحالي ومن أهمها :
1️⃣ محطة بريتون وودز عام 1944، كبداية لتأسيس الهيمنة، حيث تم ربط كل عملات العالم بالدولار لتصبح هذه الورقة الملعونة المرجعية الوحيدة للنظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
2️⃣ صدمة نيكسون عام 1971، التي فكت أرتباط الدولار بالذهب، وحولته من عملة مغطاة بقيمة حقيقية إلى عملة إلزامية تفرض بالقوة العسكرية والسياسية.
3️⃣ أتفاقية البترودولار عام 1974بين أمريكا والسعودية، والتي ربطت تسعيرة النفط حصراً بالدولار، مما خلق طلباً مصطنعاً ودائماً عليه وجعل كل دولة في العالم بحاجتة لشراء الطاقة.
وبهذه المحطات الثلاث تحول الدولار من وسيلة تبادل تجاري إلى منظومة حكم مالي وأمني وسياسي.
ثانياً : آليات السيطرة في الثالوث المقدس للهيمنة.
تعمل منظومة الدولار عبر ثلاث آليات متكاملة تشكل ثالوث الهيمنة الأمريكية وهي :
1️⃣ الآلية الأولى وهي آلية التسعير القسري المتمثلة بالبترودولار، حيث أجبرت كل دول العالم التي تحتاج الطاقة على مراكمة الدولار، فأصبحت أمريكا تستورد النفط والسلع الحقيقية عبر طباعة الورق، بينما يضطر العالم إلى تصدير ثرواته الحقيقية للحصول على هذا الورق.
2️⃣ الآلية الثانية وهي آلية المراقبة والعقاب، المتمثلة بسيطرة واشنطن على نظام سويفت وشبكة البنوك في نيويورك، حيث أصبحت كل حوالة مالية في العالم تمر عملياً تحت الرقابة الأمريكية، مما مكنها من فرض عقوبات أحادية تتجاوز القانون الدولي، وتستخدم كأداة خنق للدول المخالفة.
3️⃣ الآلية الثالثة وهي آلية الاستنزاف النقدي، عبر الفيدرالي الأمريكي، فعندما يرفع الفيدرالي سعر الفائدة فهو لا يعالج التضخم الأمريكي فحسب، بل يسحب السيولة من العالم أجمع ويرفع قيمة الدولار ويغرق عملات الدول النامية ويدفعها للأقتراض مجدداً من صندوق النقد الدولي بشروط سياسية مذلة.
ثالثاً : الحالة العراقية كأنموذج للتبعية المركبة.
يمثل العراق وتحديداً في أخر ثلاث حكومات وهي حكومة الكاظمي والسوداني وحكومة الزيدي، الأنموذج الأكثر وضوحاً لمفهوم السيادة المزعومة في ظل هيمنة الدولار.
ووفقاً للقرار الدولي 1483، تودع عائدات النفط العراقي في حساب خاص في البنك الفيدرالي الأمريكي، ولا يحق للعراق التصرف بها إلا بموافقة أمريكية مباشرة، وهذا هو أحتجاز السيادة المالية بعينه. كما أن المنصة الإلكترونية التي فرضتها الخزانة الأمريكية على البنك المركزي العراقي، هي من تحدد من يستحق الدولار ومن لا يستحقه، تحت ذريعة مكافحة التهريب إلى إيران، وهذا تحكم كامل بسعر الصرف والقرار النقدي.
وكما تتجلى المفارقة السيادية عندما يتم إستخدام خطاب السيادة لمنع التبادل التجاري مع إيران بالدينار العراقي، بينما يتم السكوت المطبق عن أن القرار النقدي العراقي نفسه مرهون بواشنطن.
وبالتالي فإن أي دعوة لفصل المسار عن إيران مع إبقاء المسار المالي مفتوحاً بالكامل مع واشنطن هي ليست سيادة، بل هي إعادة إنتاج للتبعية المركبة بأدوات عراقية.
رابعاً : مسارات التفكك والبدائل الصاعدة.
أن إنخفاض حصة الدولار في الأحتياطات العالمية، وتوسيع التبادل الثنائي بالعملات المحلية بين الصين وروسيا وإيران والهند ضمن مجموعة بريكس، وظهور أنظمة دفع بديلة مثل ”نظام سيبس الصيني، ونظام أس بي أف أس الروسي“ وعليه فأن الصراع المحتدم حول غلق المنافذ والأجواء بين بغداد وطهران هو في جوهره صراع جيوسياسي، لمنع العراق من الإنخراط في هذه المنظومة البديلة، وإبقائه قسراً داخل قفص الدولار كجزيرة معزولة.
▪️ الخاتمة:
إن لعنة الدولار هي جوهر الهيمنة الأمريكية المعاصرة، وإن أي مشروع لتحرير العراق لا يبدأ من تحرير قراره النقدي هو مشروع ناقص ومشوه. إن الحفاظ على وحدة المسار مع إيران ليس خياراً أيديولوجياً عاطفياً، بل هو ضرورة جيوسياسية واقتصادية للخروج من أحادية الدولار إلى فضاء اقتصادي متعدد الأقطاب يضم أكثر من خمسمئة مليون إنسان لا يتعاملون بالدولار. فالسيادة الحقيقية تبدأ عندما نبيع نفطنا بعملتنا ونحدد مصيرنا بأيدينا، لا عندما نمنع جارنا من دخول أجوائنا إرضاءً لمن يحتجز أموالنا.
وبكيف الله.