في حضرة العظماء
في حضرة العظماء
إب نيوز 30 أكتوبر
بقلم/ محمد صالح حاتم
ليست الذكرى السنوية للشهيد مناسبة عابرة تمر في سجل الأيام، ولا مجرد محطة لاستعادة صور الشهداء واستذكار مواقفهم وتضحياتهم، وإنما هي وقفة وفاء أمام عظمة البذل والعطاء، وفرصة لتجديد العهد مع أولئك الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله ودفاعًا عن الدين والوطن وكرامته وحريته. إنها مناسبة نستحضر فيها معاني التضحية والفداء، ونستمد من مواقف الشهداء العزم والثبات، ونجدد من خلالها مسؤوليتنا تجاه أسرهم التي قدمت أغلى ما تملك، لتبقى قيم العزة والكرامة حاضرة في وجدان الأجيال.
في حضرة الشهداء، تتضاءل الكلمات أمام عظمة التضحيات، وتعجز العبارات عن الوفاء بحق من بذلوا أرواحهم من أجل قضية آمنوا بها، وغاية سعوا إلى تحقيقها. فالشهداء لم يتركوا خلفهم ذكريات فحسب، وإنما تركوا إرثًا من المواقف والقيم، ومدرسة في الصبر والثبات والتضحية، تستلهم منها الأجيال معاني الوفاء والمسؤولية، وتتعلم أن الأوطان لا تُبنى بالتمنيات، وإنما بالتضحيات والعمل والإخلاص.
إن إحياء الذكرى السنوية للشهيد ينبغي أن يتجاوز مظاهر الاحتفاء وإقامة الفعاليات إلى استحضار المعاني الحقيقية للشهادة، وتحويلها إلى سلوك عملي في حياتنا اليومية، ومراجعة مدى التزامنا بالقيم والمبادئ التي ضحى الشهداء من أجلها. فالذكرى محطة للتزود بالإيمان والعزيمة، وتجديد الوعي بالمسؤولية، وتعزيز روح التكافل والتراحم، ودافع لمواصلة العمل في مختلف المجالات التي تسهم في بناء الوطن وتحقيق تطلعات أبنائه.
وإذا كان الشهداء قد قدموا أرواحهم في سبيل الله والوطن، فإن أقل ما يمكن أن نقدمه وفاءً لهم هو أن نحافظ على ما بذلوه من أجله، وأن نجعل من تضحياتهم دافعًا لمضاعفة الجهود في ميادين العمل والإنتاج والبناء، وأن نترجم قيمهم إلى ممارسات تعزز الصمود وتخدم المجتمع وتمنح الأجيال القادمة مستقبلًا أفضل.
إن ما نعيشه اليوم من ثمار العزة والكرامة الصمود والثبات، وما تحقق من منجزات ومواقف في مواجهة التحديات، يرتبط بتضحيات رجال قدموا أرواحهم وهم يحملون قضايا وطنهم وأمتهم. وتبقى هذه التضحيات حاضرة في وجدان المجتمع، تذكره بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وتؤكد أن الوفاء للشهداء لا يتحقق بمجرد الحديث عن مآثرهم، وإنما بمواصلة مسيرتهم،ومواصلة العمل من أجل الغايات التي ضحوا في سبيلها.
ومن هنا، فإن الذكرى السنوية للشهيد تمثل فرصة لتجديد العهد بأن تظل تضحياتهم مصدر إلهام للأجيال، وأن تتحول معاني التضحية والإيثار إلى قوة دافعة نحو الإصلاح والبناء، وتعزيز التكافل الاجتماعي، والاهتمام بالفئات التي تحتاج إلى الرعاية والمساندة، وفي مقدمتها أسر الشهداء.
إذا كانت الذكرى السنوية للشهيد تستدعي منا استحضار عظمة التضحيات، فإنها تضع أمامنا مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية ووطنية لا تقل أهمية، تتمثل في رعاية أسر الشهداء والاهتمام بأوضاعها، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لها. فهذه الأسر لم تفقد أبناءها فحسب، وإنما تحملت أعباء الفقد وتبعاته، وقدمت تضحيات تستحق أن تقابل بالوفاء العملي والرعاية المستمرة.
ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام بأسر الشهداء على أيام الذكرى، أو أن يتحول إلى نشاط موسمي تتجدد مظاهره في مناسبة محددة، ثم تخفت بعد انتهائها. فالوفاء الحقيقي لا يعرف المواسم، ولا يرتبط بجدول الفعاليات، وإنما يتجسد في استمرار السؤال عن أحوال هذه الأسر، ومتابعة احتياجاتها، والوقوف إلى جانبها في مختلف الظروف، وتقديم ما يمكن تقديمه من دعم ومساندة.
إن من المؤلم أن نتذكر أسر الشهداء في أيام المناسبة، ثم ننشغل عنها بقية العام، بينما تظل احتياجاتها قائمة، وتبقى مسؤوليتنا تجاهها مستمرة. ولهذا، فإن المطلوب هو الانتقال من الاهتمام الموسمي إلى الرعاية الدائمة، ومن المبادرات المحدودة إلى برامج مؤسسية واضحة، تضمن وصول الخدمات إلى مستحقيها، وتحقق العدالة في توزيعها، وتراعي ظروف كل أسرة واحتياجاتها.
إن الوفاء لأسر الشهداء يقتضي أن تكون لها الأولوية في مجالات الرعاية المختلفة، وفي مقدمتها التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن لها حياة كريمة، ويساعد أبناء الشهداء على مواصلة حياتهم وتحقيق طموحاتهم.
ففي مجال التعليم، ينبغي الاهتمام بأبناء الشهداء، وتيسير حصولهم على فرص التعليم، وتقديم التسهيلات والمنح والمساعدات التي تمكنهم من مواصلة دراستهم، وعدم السماح للظروف المعيشية بأن تقف عائقًا أمام مستقبلهم العلمي. فهؤلاء الأبناء يستحقون أن تتضافر الجهود من أجل إعدادهم وتأهيلهم، ليكونوا عناصر فاعلة في المجتمع، قادرين على خدمة وطنهم والإسهام في تنميته.
وفي المجال الصحي، تبرز أهمية توفير الرعاية اللازمة لأسر الشهداء، وتسهيل حصولها على الخدمات الطبية والعلاجية مجانا ، ومراعاة احتياجات المرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على إيجاد آليات للتنسيق بين الجهات المعنية، بما يخفف الأعباء عن هذه الأسر ويضمن حصولها على الرعاية التي تستحقها.
أما التمكين الاقتصادي، فيمثل مسارًا مهمًا لتعزيز الاستقرار المعيشي، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والأصغر، وتوفير فرص التدريب والتأهيل المهني، ومساعدة القادرين على العمل في إنشاء مشاريع إنتاجية تتناسب مع إمكاناتهم واحتياجات مجتمعاتهم. فالهدف لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المساعدات الآنية، على أهميتها، وإنما يجب أن يمتد إلى بناء قدرات الأسر، وتعزيز اعتمادها على مصادر دخل مستدامة، وتحويل طاقاتها إلى قوة منتجة تسهم في تحسين أوضاعها المعيشية.
ويشمل ذلك أيضًا الاهتمام بالسكن، وتوفير فرص العمل، وتسهيل المعاملات، وتقديم التسهيلات الممكنة في مختلف الخدمات، إلى جانب الرعاية الاجتماعية والنفسية، بما يعزز شعور أسر الشهداء بأن المجتمع يقف إلى جانبها، وأن تضحيات أبنائها لم تُنسَ، وأن الوفاء لهم مسؤولية مشتركة تتحملها مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن مسؤولية رعاية أسر الشهداء لا تقع على جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمبادرات المجتمعية والجمعيات التعاونية والخيرية. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، وتحديد الاحتياجات الفعلية للأسر، ووضع برامج قابلة للتنفيذ، ومتابعة أثرها، بما يضمن استمرارية الرعاية وعدم اقتصارها على المساعدات الطارئة.
كما أن من الضروري ترسيخ ثقافة مجتمعية تقوم على احترام أسر الشهداء وتقدير تضحياتهم، والحرص على مشاركتهم في مختلف الأنشطة والمناسبات، ومساندتهم في مواجهة أعباء الحياة. فالتكريم الحقيقي لا يكون بالمظاهر وحدها، وإنما بحفظ الكرامة، وصون الحقوق، وتقديم الرعاية التي تليق بحجم ما قدمه الشهداء.
إن الاحتفاء بالذكرى السنوية للشهيد ينبغي أن يكون مناسبة لتقييم مستوى الرعاية المقدمة لأسر الشهداء، وتحديد جوانب القصور، والعمل على معالجتها، وتجديد الالتزام بتحسين الخدمات المقدمة لهم. فكل خطوة تخفف معاناة أسرة شهيد، وكل فرصة تعليمية تُمنح لأحد أبنائه، وكل مشروع إنتاجي يساعد أسرته على الاستقرار، تمثل صورة من صور الوفاء العملي للتضحيات.
في حضرة العظماء، لا يكفي أن نستعيد ذكرياتهم، وإنما علينا أن نستحضر قيمهم في مواقفنا وأعمالنا، وأن نجعل من ذكراهم محطة للتزود بالعزيمة والإرادة، وتصحيح المسار، وتعزيز روح المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.
وستظل الذكرى السنوية للشهيد موعدًا لتجديد العهد، واستحضار المآثر، واستلهام معاني الصبر والثبات والتضحية، وفرصة للتأكيد أن الوفاء للشهداء لا يُقاس بما نقوله عنهم، وإنما بما نقدمه لأسرهم، وما ننجزه من أعمال تخدم المجتمع، وما نبذله من جهود لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة.