1979؛ عام سقوط السيف المصري وإنهيار الوحدة المشرقية وصعود السيف الإيراني..!!

إب نيوز 1 نوفمبر

غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.

«دراسة إستراتيجية في نظرية الأستبدال الجيوسياسي المركب»

▪️المقدمة:

لماذا أصبحت إيران الدولة الفارسية الشيعية المحاصرة منذ يومها الأول عام 1979، هي القوة المحافظة للتوازن في المشرق العربي، بينما انكفأت مصر، وهي قلب العروبة وذروة سنامها، وتفكك العراق، وهو بوابتها الشرقية؟

الإجابة السائدة في الأدبيات العربية تقول: لأن إيران أستبدلت مصر بعد خروجها من الصراع في كامب ديفيد. هذه الإجابة صحيحة لكنها ناقصة. الحقيقة الكاملة، التي تحاول هذه الورقة إثباتها، هي أن إيران لم تستبدل مصر فقط، بل أستبدلت مصر والعراق معاً في عملية واحدة مركبة، وكانت سوريا هي الجسر الجيوسياسي اليتيم الذي عبرت عليه من هامش المواجهة العربيةـ الأسرائيلية إلى قلبها.

عام 1979 لم يكن عام ثورة إيران الأسلامية فقط، بل كان عام سقوط وظيفتين عربيتين محوريتين في آن واحد، وولادة نظرية “الاستبدال الجيوسياسي المركب”.

أولاً: سنة الأستبدال وفراغ الوظيفة.

يقوم النظام الإقليمي على قانون تاريخي صارم، عبر عنه القرآن الكريم بوضوح: ”وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ“

المعنى الإستراتيجي للآية هو أن التاريخ لا يعرف الفراغ الوظيفي، إذا تخلت دولة عن ثغر رابطت عليه، فإن النظام الإقليمي يستدعي تلقائياً من يملأ الثغر، وغالباً ما يكون البديل أكثر تشدداً والتزاماً بالوظيفة من صاحبها الأصلي.

وكان النظام العربي الذي تأسس بعد حرب فلسطين 1948 قائماً على وظيفتين بنيويتين لا يمكن للنظام أن يبقى بدونهما وهما:

1️⃣. وظيفة السيف وحفظ التوازن.

 بمعنى، من هي الدولة التي تواجه إسرائيل وتمنعها من التمدد؟

ومنذ 1948 كانت هذه الدولة هي جمهورية مصر العربية.

2️⃣. وظيفة الوحدة المشرقية.

أي من وهي الكتلة التي تربط بلاد الشام بالعراق، وتمنع تشظي المشرق وتجعله كتلة قارية واحدة؟

منذ الخمسينيات كان المرشح الوحيد لهذه الوظيفة هو مشروع الوحدة بين العراق وسوريا.

وفي عام واحد فقط وهو عام 1979، تخلت الدولتان عن وظيفتيهما معاً، وخلقتا فراغاً إستراتيجياً مزدوجاً.

ثانياً: سقوط السيف المصري من المواجهة العربية الإسرائيلية.

كانت مصر من حرب 1948 حتى حرب أكتوبر 1973 دولة وظيفة، وليست دولة حدود. جيشها لم يكن جيشاً قطرياً يدافع عن النيل فقط، بل كان جيشاً عربياً قومياً. وميزانيتها وخطابها السياسي وشرعيتها الناصرية والساداتية، كلها كانت مرهونة بكونها حاملة لواء المواجهة.

أن ما حدث في كامب ديفيد ليس مجرد توقيع إتفاقية سلام بين القاهرة وتل أبيب، ففي علم التحالفات الدولية، هذا يسمى بـ “الانشقاق المنفرد“ عن التحالف العربي. وهو قرار إستراتيجي بأن تضع الدولة مصلحتها القطرية الضيقة فوق مصلحة التحالف العام.

وقعت مصر إتفاقية كامب ديفيد في 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في1979. فأستبدلت سيناء بفلسطين، والرخاء الإقتصادي بدور القيادة العربية، والتحالف مع الولايات المتحدة بالتحالف مع العرب.

النتيجة لم تكن سلاماً، بل كانت إستقالة تاريخية، فمصر لم تخرج من الحرب فقط، بل خرجت من التاريخ كدولة مواجهة، وتركت سيفها ملقى على الأرض في الصحراء، وخلقت فراغاً استراتيجياً هائلاً في الجبهة الجنوبية لإسرائيل، وجعلت الجبهة المصرية آمنة إلى الأبد.

ثالثاً: إنهيار الدولة التي كانت ستهدد إسرائيل وجودياً.

في الوقت الذي كانت فيه مصر تخرج من الجنوب، كان في المشرق مشروع الوحدة الذي بدأ يتشكل بين العراق وسوريا ليملأ الفراغ المصري.

في 1978 وقع الرئيس العراقي أحمد حسن البكر والرئيس السوري حافظ الأسد ميثاق العمل القومي المشترك. هذا الميثاق لم يكن بياناً إعلامياً وإنشائياً كما يظن البعض، بل كان دستور دولة موحدة قيد التأسيس، وبنوده كانت تقوم على توحيد وزارات الدفاع والخارجية والإعلام، وتشكيل مجلس أعلى للوحدة برئاسة الرئيسين، بجيش موحد قوامه 450 ألف مقاتل، وتوحيد المناهج التعليمية، وربط نفط العراق بموانئ البحر المتوسط السورية.

هذه الدولة لو قامت، لكانت هي الكابوس الوجودي الحقيقي لإسرائيل بعد خروج مصر، لأسباب عسكرية وجيوسياسية قاتلة:

أ. إنتهاء ميزة الجغرافيا العازلة، فمصر بعيدة، وبينها وبين إسرائيل صحراء سيناء بمساحة 60 ألف كيلومتر مربع، كمنطقة عازلة تمنع اي مفاجأة عسكرية . أما دمشق فتبعد 70 كيلومتراً فقط عن بحيرة طبريا. والدولة الموحدة كانت ستكون على حدود إسرائيل مباشرة.

ب. إنتهاء ميزة الاقتصاد الضعيف، سوريا دولة فقيرة لا تتحمل حرباً طويلة، وهذا سبب انكسارها في 1967 و1973. العراق يملك ثاني أكبر إحتياطي نفط في العالم. والوحدة كانت تعني أن قرار الحرب في دمشق، وتمويل الحرب المفتوح من بغداد، وبلا سقف معين

ج. إنتهاء ميزة الضربة الجوية الأولى، إسرائيل تفوقت دائماً بضربة جوية أولى تدمر المطارات في سيناء والجولان وينتهي الأمر، لأن العمق السوري وحده 300 كيلومتر، ينتهي في دقائق معدودة. بينما دولة العراق وسوريا عمقها الإستراتيجي 1200 كيلومتر، من البحر المتوسط إلى الخليج العربي، فلا يمكن تدميرها بضربة واحدة.

د. إنتهاء ميزة التفوق الإسرائيلي، إسرائيل تتفوق على كل دولة عربية منفردة. لكنها لا تستطيع التفوق على كتلة قارية موحدة تملك جيشين مجربين ضدها وتعداد 35 مليون نسمة و6000 دبابة و800 طائرة مقاتلة.

ولهذا قال هنري كيسنجر جملته الشهيرة “أخطر ما يمكن أن يحدث لأمن إسرائيل هو وحدة المشرق العربي، لأنها تحول الصراع من نزاع حدودي يمكن احتواؤه إلى صراع وجودي لا يمكن احتواؤه”.

رابعاً: قاعة الخلد وقتل الوحدة.

في 1979 تولى صدام حسين رئاسة العراق. وبعد ستة أيام فقط، عقد مؤتمر قاعة الخلد الشهير. حيث جمع قيادات حزبية كبيرة وأتهم 68 قيادياً بالتآمر مع النظام السوري لقلب الحكم لصالح الوحدة، وأعدم منهم 22 قيادياً فوراً، وهم بالضبط مهندسو مشروع الوحدة مع سوريا.

وبغض النظر عن النية، الأ ان النتيجة الموضوعية لقاعة الخلد هي أنها أكبر خدمة مجانية قدمها صدام حسين لإسرائيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لكون إسرائيل تخلصت إلى الأبد من خطر قيام دولة مشرقية موحدة على جبهتها الشمالية.

خامساً: الجسر السوري والتحالف مع طهران.

بعد قاعة الخلد، وجدت سوريا نفسها يتيمة جيوسياسياً بإمتياز. بلا مصر في الجنوب تحميها، وبلا عراق في الشرق يمولها. دولة يحكمها حزب أقلوي علوي، بلا نفط، بلا مال، محاطة بإسرائيل من الجنوب، وتركيا من الشمال، وعراق صدام المعادي لها من الشرق والذي بدأ يحشد لمهاجمتها ودعم الإخوان ضدها.

في الجهة المقابلة، وجدت إيران الثورية التي أنتصرت في 1979 نفسها معزولة عربياً لأنها شيعية فارسية، ومقبلة على حرب طاحنة مع العراق ستبدأ بعد أشهر.

في 1980 وُلد تحالف دمشق-طهران، وهو أطول تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط الحديث، أستمر 44 عاماً حتى سقوط نظام الأسد عام 2024. وهذا التحالف كان عقد إستبدال جيوسياسي مركب في عمر المواجهة العربيةـالإسرائيلية.

سادساً: صعود السيف الإيراني ونظرية الأستبدال المركب.

هنا تكمن نظرية هذه الورقة وجوهرها وخلاصتها.

إيران لم تستبدل مصر فقط، بل أستبدلت مصر والعراق معاً، عبر الجسر السوري.

فإيران الإسلامية أخذت دور مصر في وظيفة السيف،

والمعادلة قبل 1979 كانت، القاهرة وبغداد دمشق في مواجهة تل أبيب.

وبعد 1980أصبحت، طهران ودمشق فقط في مواجهة تل أبيب.

والدليل العملي هو أنها بعد أيام فقط من الثورة الإسلامية، أغلقت إيران السفارة الإسرائيلية في طهران وسلمت مبناها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأعلنت يوم القدس العالمي وهذا يعني بأنها حملت نفس السيف الذي ألقته القاهرة، لكن بخطاب إسلامي ثوري بدلاً من الخطاب القومي العربي.

كما إن إيران أخذت دور العراق في وظيفة الوحدة،

والمعادلة قبل 1979 كانت بغداد و دمشق تعنيان الوحدة المشرقية.

وبعد 1980أصبحت طهران و دمشق تعنيان التكامل المشرقي البديل.

أصبحت إيران هي من يعطي النفط لسوريا بأسعار تفضيلية، وهي من يسلح الجيش السوري بعد أن قطعت عنه موسكو السلاح في البداية، وهي من يرسل المقاتلين عند الخطر. قامت بالضبط بالدور الذي كان من المفترض أن يقوم به العراق كممول وحام للعمق السوري.

والمفارقة التاريخية القاتلة التي تثبت النظرية هو أن صدام قتل الوحدة مع سوريا خوفاً من أن يذوب العراق في سوريا، فكانت النتيجة التاريخية أن ذابت سوريا كلها في إيران، وأصبحت إيران هي العراق الجديد بالنسبة لدمشق، ثم ذاب العراق نفسه بعد 2003 في إيران.

▪️الخاتمة:

ولكل ماتقدم أعلاه، أصبحت إيران قوة إقليمية رغم الحصار الخانق ورغم أنها دولة غير عربية. لأنها الدولة الوحيدة التي جمعت وظيفتين سقطتا من أكبر دولتين عربيتين في عام واحد. أخذت سيف مصر، وأخذت وحدة العراق.

ولهذا فشل كل نظام أمني عربي بعد 1979، من مجلس التعاون الخليجي إلى النظام الإقليمي الجديد. حيث لا يمكن بناء نظام عربي مستقر بلا مصر كحاملة للسيف، ولا بلا عراق كحامل للوحدة.

ومن يملأ فراغ القاهرة وبغداد معاً، يصبح حتماً هو القوة المحافظة الجديدة للإقليم، حتى لو كان في الأصل خارج النظام العربي.

فمن يتولى عن ثغره وجبهته ووحدته بحجة أن وطنه أولاً، يأتي الله بقوم يرون الدين والأمة أولاً، فيأخذون ثغره وسيفه ووحدته.

وبكيف الله.

You might also like