ذكرى العروج – أسبوع الشهيد
إب نيوز 4 نوفمبر
دينا الرميمة
ثمة رجال لا يسكنون الأرض إلا عابري سبيل، يمشون فوق ترابها بأجسادهم، لكن أرواحهم تظل معلقة بأطراف السماء.
وحدهم الشهداء من فقهوا سر الوجود، فأدركوا أن الحياة الحقيقية لا تبدأ إلا حين تُبذل في سبيل الله. وما أصدق قول الله فيهم:
*﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169]*
أن مقام الشهادة من أعلى مقامات الاصطفا والاجتباء التي يمن الله بها على من يشاء من عباده حيث أن سُنة الله اقتضت أن يصطفي من عباده من يشاء، فيرفع درجاتهم ويعلي من شأنهم، ويمدهم بعطاياه، باعوا أنفسهم لله، ولم يلتفتوا لزينة الدنيا،
فعقدوا أسمى وأطهر صفقة في تاريخ البشرية، صفقة وتجارة رابحة لن تبور مقابل سلعة هي الاغلى والأثمن من كل كنوز الدنيا وصفها القرآن وصفاً لا يضاهيه وصف:
*﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ [التوبة: 111]*
فلم يكن الموت عندهم نهاية، بل كان بوابة العبور الكبير إلى حياة لا موت فيها ولا نشور
يجاورهم الانبياء والصديقين فرحين مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا،
ورغم أنهم رحلوا عنا الا رحليهم لم يكن الا رحيل جسد أما أرواحهم فهي تحلق حولنا، نراها في كل أثراً تركوه . فكل ذرة تراب نتنفس فوقها الحرية اليوم هي من صنع ايديهم، وكل موطن عزة نرفع فيه رؤوسنا، هو مدينٌ لتلك الدماء الزكية. هم من اشتروا بضعة أعوام فانية، ليمنحوا أمتهم خلوداً وعزة لا تفنى
لذلك تأتي مناسبة ‘أسبوع الشهيد’ لا لنبكيهم فالشهداء لا يُبكى عليهم بل يُغبطون على مقامهم، ولا لتذكرنا بهم وهم الخالدون في قلوبنا مع كل نبض يتدفق لقلوبنا،
تأتي ذكرى العروج كوقفة إجلال وإكبار أمام أعظم صور العطاء الإنساني؛ فالشهادة ليست مجرد غياب جسد، بل هي تضحية بالروح من أجل أن تحيا الأوطان كراماً، وهي المنارة التي تضيء دروب الحرية والعزة للأجيال المتعاقبة. إن الأثر الذي يتركه الشهيد في وجدان الأمة يظل حياً، يبعث فيها روح الصمود والتلاحم ويحمي مكتسباتها من كل عادٍ ومتربص.
إن إحياء هذه الذكرى السنوية الغالية ليس مجرد طقس عابر، بل هو واجب وطني وإنساني يهدف إلى ترسيخ قيم الفداء في نفوس الأجيال، واستذكار الملاحم البطولية التي سطرها هؤلاء العظماء بدمائهم الزكية،وبالتالي فإن الوفاء الحقيقي لهم لا ينتهي بانتهاء أسبوع ذكراهم، بل هو عهد وثيق والتزام يومي بالسير على دربهم ، ومع هذا الإحياء، يتجدد فينا جميعاً الوعي بـالمسؤولية الكبرى والواجب المقدّس تجاه أسر الشهداء وذويهم؛ الذين قدموا أغلى ما يملكون، فبات لزاماً على المجتمع والدولة رعايتهم، والوقوف بجانبهم، ومبادلتهم الوفاء بالوفاء تكريماً لذكرى أبطالهم وأن نكون لعائلاتهم الشامخة سنداً وأهلاً، وأن نحافظ على المكتسبات التي صُنعت بفضل تضحياتهم.
فسلامٌ على الأرواح التي عرجت إلى بارئها مطمئنة، سلامٌ على الدماء التي غسلت عن وجه أمتنا غبار الاستسلام، وسلامٌ على عهدٍ قطعناه للشهداء أن نبقى الأوفياء لدمائهم، وأن نعيش فوق هذه الأرض أعزاء، أو نلحق بهم شهداء كراماً.