كذبة العصر: حين تتحول مكة إلى ورقة في معركة البوصلة.
إب نيوز 17 سبتمبر
عدنان عبدالله الجنيد.
قراءة تحليلية في كلمة قائد الثورة حول آخر التطورات والمستجدات
لم تكن معركة اليمن والسعودية خلال السنوات الماضية معركة صواريخ وطائرات وحسب، بل كانت كذلك معركة على الرواية والمعنى والبوصلة.
وفي أحدث فصولها، تصدرت مكة المكرمة المشهد بعد إعلان السعودية اعتراض مسيّرة قالت إنها أُطلقت باتجاه العاصمة المقدسة، بينما نفى الجانب اليمني استهداف مكة، معتبرًا الاتهام جزءًا من حملة تضليل تستهدف حرف اتجاه الصراع.
وفي مقابل هذه الرواية، يبرز موقف قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، الذي أكد أن الشعب اليمني فداء لمكة المكرمة، في دلالة واضحة على أن مكة ليست في الوعي اليمني ساحةً للصراع أو هدفًا للاستهداف، وإنما هي من أقدس مقدسات المسلمين، ولها مكانتها الدينية والوجدانية التي لا يمكن أن تكون موضعًا للعداء أو الاستهداف.
ومن هنا تكتسب هذه العبارة أهميتها في تفكيك الرواية المتداولة؛ لأنها تضع الموقف اليمني من مكة في سياقه الديني والأخلاقي، وتفصل بين قدسية المقدسات وبين توظيفها في الصراع السياسي والإعلامي.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله لتضع القضية في إطار أوسع: من يقف وراء التصعيد؟
وما الغاية من تحويل حادثة شديدة الحساسية دينيًا إلى عنوان للصراع؟
وهل تتحول قدسية مكة إلى أداة سياسية وإعلامية لحشد المواقف ضد اليمن؟
من خفض التصعيد إلى تجدد المواجهة
وفق القراءة التي قدمها السيد القائد، فإن مرحلة خفض التصعيد لم تُنتج، من وجهة النظر اليمنية، تسوية قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بل بقيت خلالها أسباب الصراع الأساسية حاضرة.
ومن هنا يضع الخطاب التصعيد الراهن في سياق ممتد منذ الحرب التي بدأت عام 2015، ويرى أن القضية الجوهرية بالنسبة إلى صنعاء تتمثل في وقف الهجمات والحصار وإنهاء التدخل الخارجي.
البهتان.. سلاح قديم يتجدد
لكن توظيف الشائعة والافتراء في الصراع ليس ظاهرة مستحدثة؛ فالبهتان ظل عبر التاريخ أداة لتشويه الخصوم وصناعة صورة بديلة عن الحقيقة.
فقد واجه الأنبياء حملات افتراء هدفت إلى إسقاط دعوتهم في أعين الناس، ومن أشهر النماذج القرآنية ما تعرض له موسى عليه السلام من اتهامات فرعون ومحاولاته قلب الحقائق أمام قومه.
وفي التاريخ الإسلامي ظهرت كذلك نماذج لتوظيف الدعاية السياسية في الصراع، حتى بلغ أثرها أن ترسخت لدى بعض الناس روايات مشوهة عن الإمام علي عليه السلام، بما في ذلك الاستغراب من استشهاده في محرابه وكأن الصلاة لم تكن من شأنه.
وهذه الخلفية التاريخية تكشف أن المعركة على الحقيقة قد تسبق المعركة على الأرض؛ فحين يعجز الخصم عن تغيير الوقائع، قد يحاول تغيير تفسيرها، وحين يصعب تبرير الموقف سياسيًا، تصبح صناعة الرواية وسيلة لإعادة ترتيب المشاعر والاصطفافات.
المعركة الأخطر: من يملك حق تعريف الحقيقة؟
من هنا تتضح حساسية الاتهام المتعلق بمكة.
فالسعودية قدمت حادثة المسيّرة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمكة، بينما نفى الجانب اليمني استهداف المقدسات، معتبرًا الاتهام بهتانًا يستهدف اليمن وقواته المسلحة.
فإن إدخال مكة في الصراع يرفع مستوى القضية من خلاف سياسي وعسكري إلى ملف يمس مشاعر المسلمين كافة.
ولهذا ركز خطاب السيد القائد على رفض تحويل قدسية المكان إلى أداة في المعركة الإعلامية، مؤكدًا أن اليمن، بحسب خطابه، ينظر إلى مكة وسائر المقدسات باعتبارها خطوطًا دينية لا يجوز العبث بها.
من مكة إلى القدس.. أين تتجه البوصلة؟
الخطاب لا يتوقف عند نفي الاتهام، بل ينقل النقاش إلى سؤال أوسع: إذا كانت المقدسات خطًا أحمر، فأين يقف العالم الإسلامي من المسجد الأقصى؟
وهنا يعيد السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله، توجيه البوصلة نحو فلسطين، داعيًا إلى أن تُقاس المواقف بالأفعال لا بالبيانات، وأن يكون الخطر الإسرائيلي على القدس والأقصى والمقدسات حاضرًا في صميم الوعي السياسي والإسلامي.
وهذه النقلة هي جوهر الرسالة؛ إذ يحاول الخطاب منع تحويل الخلاف اليمني السعودي إلى صراع داخل المجال الإسلامي، وإعادة وضع القضية الفلسطينية باعتبارها إحدى القضايا المركزية في المشهد الإقليمي.
حين تصبح البوصلة هي المعركة
الرسالة الأعمق في كلمة السيد القائد أن الصراع لا يُحسم فقط بمن يطلق الصاروخ أو يمتلك الطائرة، وإنما أيضًا بمن يستطيع تحديد من هو الخصم الحقيقي، وما هي القضية المركزية، وأين يجب أن تتجه طاقة الأمة.
ومن هنا يصبح الإعلام جزءًا من ميدان المواجهة؛ فالرواية التي تنتشر أولًا قد تصنع موقفًا سياسيًا قبل أن تتضح كل تفاصيل الحدث، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمقدس ديني بحجم مكة المكرمة.
الخاتمة: المعركة على الوعي قبل الميدان
بهذا المعنى، تبدو كلمة السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله محاولة لإعادة تعريف المعركة من «من استهدف مكة؟
إلى سؤال أوسع: كيف تُستخدم الرواية الإعلامية في توجيه بوصلة الصراع؟
فالمقدسات، وفق منطق الخطاب، لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في المناكفات السياسية، كما أن الدفاع عنها لا يُقاس بقوة البيانات، بل بالمواقف العملية تجاه جميع القضايا التي تمس الأمة ومقدساتها، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى.
وهنا تحديدًا تصبح البوصلة نفسها ميدان المعركة؛ لأن من يملك القدرة على توجيه الوعي، يملك قدرة مؤثرة على تحديد اتجاه الصراع، ومن يستطيع أن يحوّل الحقيقة إلى رواية والرواية إلى موقف، يستطيع أن يعيد رسم المشهد قبل أن تتغير خرائط الميدان.