اليمن هو الحلقة الفاصلة في حروب المنطقة

إب نيوز 30 سبتمبر

ناصر قنديل

منذ توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في 17 حزيران، بدا أن المنطقة تدخل مساراً يفترض أن يقود من وقف الحرب إلى تفاهمات أكثر استقراراً، لكن ما ظهر سريعاً هو محاولة أميركية لإعادة تفسير المذكرة من خارج نصها وروحها. وبعد ثمانية أيام فقط جاء بيان المنامة الأميركي الخليجي، فرحّب بالمذكرة من جهة، لكنه أعاد من جهة أخرى فتح الملفات التي يفترض أن التسوية قد تجاوزت جعلها شروطاً لوقف الحرب: الصواريخ البالستية الإيرانية، الطائرات المسيّرة، علاقة إيران بقوى المقاومة، وحرية الملاحة في هرمز بلا شروط أو رسوم أو سيطرة إيرانية. كما ربط أي انفتاح اقتصادي على إيران بشروط قابلة للعكس، ووضع المسار اللبناني تحت عنوان نزع سلاح المقاومة وحصر السلاح بيد الدولة. كان ذلك أول إعلان سياسي عن محاولة بناء ميزان جديد فوق المذكرة، لا تطبيقها كما جرى التفاهم عليها.

خلال الأسابيع التالية ظهرت أدوات هذا المسار. في هرمز طُرحت صيغة الممر الملاحي العُماني، لكن الخلاف بقي قائماً حول من يدير الممر وما هي صلاحيات إيران، وتأجل الاجتماع الخليجي الإيراني الذي كان يفترض أن يناقش الترتيب المؤقت للملاحة. وفي لبنان جرت محاولة فصل المسار اللبناني عن التسوية الإقليمية وربط الانسحاب الإسرائيلي بمسار داخلي عنوانه سلاح المقاومة. وبالتوازي عاد البرنامج الصاروخي الإيراني إلى الطاولة بعدما لم يكن جزءاً من جوهر مذكرة وقف الحرب. كانت الفكرة واضحة، استخدام وقف النار لإعادة تركيب عناصر الضغط التي عجزت الحرب نفسها عن فرضها.

لكن المشكلة كانت أن هذه الأدوات لم تغيّر ميزان القوى. وفي هرمز تحديداً، ورغم الحملة الأميركية المتواصلة عن نجاح واشنطن في إعادة الملاحة وكسر ورقة المضيق، بقي الاختبار الحقيقي في السوق، أسعار النفط ظلت مرتفعة قياساً بما قبل الأزمة، و بسعر برميل النفط بعد لمذكرة واعلان ايران فتح المضيق خصوصا، ولم يظهر ترميم مستدام للمخزون الأميركي يفترض ان يتحقق مع صورة «عودة الأمور إلى طبيعتها». ولذلك بقي السؤال قائماً، إذا كانت واشنطن قد نجحت فعلاً في إسقاط ورقة هرمز، فلماذا لم تتصرف الأسواق ومخزونات الطاقة على هذا الأساس؟ هنا يصبح من المشروع البحث عن الحلقة التي كان الرهان عليها لتغيير الميزان فعلاً، لا إعلامياً.

هذه الحلقة كانت اليمن. شرارة المواجهة الجديدة جاءت مع استهداف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فرد أنصار الله بتوسيع المواجهة تحت شعار مقابلة الحصار بالحصار، لتنتقل السعودية وحلفاؤها اليمنيون إلى حملة عسكرية واسعة. وقد أظهرت الوقائع اللاحقة أن المشهد لم يكن منفصلاً عن ترتيبات إقليمية أوسع. ففي اجتماع سري نظمته القيادة المركزية الأميركية في ألمانيا اجتمع قائدها مع رؤساء أركان إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، بحثوا الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية والوضع في اليمن خصوصا كما كشف وكالة اكسيوس المقربة من واشنطن وتل أبيب، هكذا كانت جبهة اليمن والتصعيد السعودي مع أنصار الله حاضرين في خلفية الاجتماع.

هنا يمكن فهم الرهان الأميركي على تغيير موازين القوى، كما يمكن فهم استعداد الرياض للانخراط في السقف الذي رسمه بيان المنامة. فالسعودية ليست دولة اعتادت المجازفة بانقلاب كبير على مسار وقف حرب إقليمية من دون تقدير وجود فرصة لتغيير جذري في الوقائع. والمكسب السعودي من انقلاب الموازين في اليمن مفهوم بذاته، لكن الأهم أن نجاح حملة عسكرية تسقط قوة أنصار الله أو تحاصرها بعيداً عن باب المندب كان يعني إضعاف أحد أهم عناصر القوة التي تستند إليها إيران ومحور المقاومة، وبالتالي إعادة التفاوض معها من ميزان مختلف.

الذي حدث كان العكس. الحملة لم تؤد إلى تراجع أنصار الله، بل انتهت بتقدمهم على الساحل والسيطرة على المخا ومواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، وفق التقارير الدولية، بينما كشفت المعارك هشاشة وتشتت القوى اليمنية المناوئة لهم. وتقول وكالة أسوشيتد برس إن هذه القوى، رغم اشتراكها في خصم واحد، تعاني انقسامات عميقة في الأهداف والولاءات والقيادة، بينما باتت الرياض تحاول إعادة جمعها في إطار عسكري موحد. وهكذا تحولت العملية التي كان يفترض أن تغيّر ميزان القوى ضد صنعاء إلى مصدر قوة جيوسياسية إضافية لها، لأن هرمز لم يعد الممر البحري الوحيد الذي يدخل في حسابات الحرب، وأصبح باب المندب جزءاً مباشراً منها.

لذلك فإن فشل الرهان اليمني لا يمثل خسارة ميدانية سعودية فحسب، بل إصابة استراتيجية للمشروع الذي تبلور تحت سقف المنامة. فالعودة إلى التهديد بالحرب لا تعني أن شروط الحرب أصبحت متوافرة. قبل أي حرب جديدة تريد تغيير ميزان القوى مع إيران ومحور المقاومة، يجب أولاً الإجابة عن سؤال باب المندب، من يستطيع إعادة الوضع هناك إلى ما كان عليه؟ وأين القوة البرية القادرة على منازلة أنصار الله؟ فيما التجربة لا تقدم جواباً مشجعاً لحلف المنامة. فقد أُنفقت أموال هائلة طوال سنوات على تشكيلات يمنية متعددة، لكنها أخفقت في الحرب الأخيرة في تحقيق الهدف الذي أُعدت له، بل ظهرت هشاشتها عند الاختبار. أما استقدام جيوش خارجية أو جماعات مسلحة قادرة على قلب الميزان البري، فهو أصعب من أن يتحول إلى خطة واقعية؛ والولايات المتحدة نفسها امتنعت حتى الآن عن الانخراط في القصف الجوي مظهرة التمسك بوقف النار مع أنصار الله فكيف بالتدخل البري المباشر، بينما تبدو الضغوط الراهنة إلى محاولة إعادة جمع السعودية والإمارات والقوى اليمنية المناوئة لأنصار الله بعد الخسائر الأخيرة، دون القدرة على تحقيق نجاح يؤثر في مسار الحرب في المدى المنظور على الأقل.

من هنا يصبح اليمن الحلقة الفاصلة في حروب المنطقة. فقبل باب المندب كان ممكناً تصور حرب جديدة هدفها تعديل ميزان التفاوض مع إيران. أما بعده، فإن أي حرب من هذا النوع تبدأ وفي ظهرها مضيق ثانٍ مهدد، وقوة يمنية خرجت من محاولة إسقاطها أكثر حضوراً وتأثيراً. ولهذا فإن ارتفاع أصوات التهديد لا يساوي ارتفاع فرص الحرب. فالحرب تحتاج ميزان قوى، لا بيانات، وإذا كان مشروع تغيير هذا الميزان قد بدأ من اليمن وانكسر هناك، فإن الطريق إلى حرب جديدة يمر حكماً بمحاولة تغيير ما حدث في باب المندب أولاً. وحتى الآن لا تبدو لدى حلف المنامة قوة قادرة على فعل ذلك.

يبدو اليمن اليوم وهو يستعيد صورته بعد حرب إسناد غزة، يوم أجبر واشنطن على التفاوض طلبا لوقف النار والانسحاب، ليس مجرد فائض قوة بل قيمة مضافة أيضا.

You might also like