إستراتيجية التحصين المعرفي للدولة العراقية في مواجهة الحروب الأدراكية..!!
إب نيوز7 أكتوبر
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️ المقدمة :
الحاقاً بمقال ” مشروع بنما السري والحرب الأمريكية الصامته للسيطرة على ذاكرة العالم “ وبعد صدور الحكم الفيدرالي الأمريكي في يونيو 2025 الذي شرعن تمزيق الكتب الورقية بعد رقمنتها كـ ”استخدام عادل“ لتدريب الذكاء الأصطناعي، أصبحت حماية الذاكرة الوطنية قضية أمن قومي لا تقل عن حماية الحدود.
وجوهر هذا المقال لا يناقش سؤال هل هناك حرب على الذاكرة؟ فهذا أصبح واقعاً قضائياً مثبتاً بوثائق مشروع بنما، بل يناقش كيف نتحصن منها استراتيجياً.
أولاً : تحديد طبيعة الخطر .
العراق ليس المستهدف الوحيد في هذه الحروب الأدراكية لكنه يحمل خصوصيه لثلاثة أسباب استراتيجية:
1️⃣ فراغ التحصين:
العراق هو البلد الوحيد في المنطقة الذي فقد أرشيفه المركزي لثلاث مرات، مرة بالحرق والنهب سنة 2003، ومرة ثانية بالتجريف الصامت عبر شراء كتبه النادرة من أسواق بيروت وإسطنبول لتمزيقها في كاليفورنيا ومرة ثالثة عندما تعرض لهجوم تنظيم داعش الأرهابي وكل دولة بلا أرشيف مركزي هي دولة بلا ذاكرة دفاعية.
2️⃣ مركزية الذاكرة الإسلامية:
بغداد ليست مدينة عادية. هي بيت الحكمة، وهي من كتبت فقه المذاهب الأربعة، وهي من حفظت تراث آل البيت عليهم السلام، ومسح ذاكرة بغداد يعني مسح الذاكرة الجامعة للسنة والشيعة معاً.
3️⃣ التبعية الخادمية:
العراق حالياً لايملك سحابة وطنية، وكل بيانات الوزارات والجامعات وحتى العتبات موجودة على خوادم أمريكية. من يملك الخادم يملك مفتاح الحذف والتعديل. ومثلما نحمي النفط تحت الأرض بقوانين صارمة، علينا حماية ذاكرتنا فوق الخوادم بقوانين أشد صرامة.
ثانياً : نظرية التحصين المقترحة.
كل تجارب التحصين المركزي فشلت، فالمكتبة الوطنية أحترقت لأنها كانت في مبنى واحد، والحل هو الإنتقال من منطق القلعة إلى منطق الشبكة السيادية.
ثالثاً : جبهات التحصين.
أ. التحصين التشريعي :
والهدف منها تحويل الذاكرة من سلعة ثقافية إلى ثروة سيادية، من خلال إصدار قانون سيادة الذاكرة الوطنية ويعتبر كل كتاب ومخطوطة ووثيقة وخريطة وصورة مطبوعة قبل سنة 1990 ثروة وطنية،
ويمنع إخراجها من العراق أو بيعها في مزاد خارجي إلا بعد رقمنتها، لتحافظ على أصلها داخل دار الكتب والوثائق الوطنية.
ب. التحصين المادي والتقني.
وتهدف إلى أمتلاك أدوات التصوير المحافظ. وأعتقد بأنها موجودة اليوم في العتبة العباسية في كربلاء.
وبناء سحابة وطنية للذاكرة بسيرفرات داخل العراق، تحت القانون العراقي، ولا تخضع لقانون الإستخدام العادل الأمريكي.
ج. التحصين الهجومي.
الدفاع وحده لا يكفي فالعدو لا يمسح ذاكرتك ويتركها فارغة، بل يملؤها برواية بديلة برؤية غربية والحل الأمثل هو إنتاج روايتنا بجودة العدو، ويترك أمرها لاهل الخبرة من الذوات الموثقين.
▪️الخاتمة :
الردع القديم كان يقول، من يملك النفط يملك القرار، بينما
الردع الجديد يقول، من يملك الذاكرة يملك القرار.
أمريكا فهمت أن العراقي الذي ينسى بيت الحكمة سينسى القدس والحشد الشعبي وفتوى الجهاد الكفائي بسهولة، لذلك، المعركة اليوم ليست على سعر صرف الدولار، بل على سعر صرف الذاكرة.
وبكيف الله.