حرب الاستنزاف بعد جولة انتهت بسلة مكاسب لأنصار الله

إب نيوز 8 أكتوبر

 – كتب: ناصر قنديل

تبدو الجبهات اليمنية أمام نهاية الاندفاعة الأولى والعودة إلى المراوحة. فبعد مرحلة ارتفع فيها إيقاع العمليات، واتسعت معها التوقعات بإحداث تغيير كبير في الخريطة العسكرية، باتت الحركة أقرب إلى اشتباكات وضغط متبادل ومحاولات لتحسين المواقع. وهذا التحول مهم في تقدير وجهة الحرب، لأن الاندفاعة التي تستهلك قدرتها من دون بلوغ أهدافها تحتاج إلى عامل جديد لاستعادة زخمها. وما لم يتحقق خلال الأسبوع الماضي يصعب افتراض تحققه في الأسبوع المقبل بالأدوات نفسها، ما لم يدخل عامل خارجي كبير لا يبدو في الأفق.

لا يعني ذلك توقف القتال، ولا استبعاد تبدّل مواقع هنا أو هناك. قد تتقدم قوة بضعة أمتار أو كيلومترات، وقد تستعيد موقعاً خسرته، أو تفتح محوراً لإرباك خصمها. لكن وزن هذه الوقائع يُقاس بما تستطيع تغييره في نتيجة الجولة. فالمراوحة تصبح سيدة الموقف عندما تعجز العمليات المتواصلة عن إنتاج اختراق يتجاوز التحسين الموضعي إلى تغيير المعادلة. وعندها يكون استمرار الحركة على الجبهات تعبيراً عن العودة إلى حرب الاستنزاف، بعدما استنفدت محاولة الحسم قدرتها على تحقيق النتيجة الموعودة.

في جبهات تعز، حيث تركز الاهتمام على محاور الشمال ومحيط شارع الستين، كما على المحاور الغربية والطرق المتصلة باتجاه الساحل، يصبح السؤال عن قدرة أي تقدم على فتح مسار عسكري متصل. فالسيطرة على موقع أو الضغط بالنار على طريق لا يكفيان وحدهما لإثبات وجود اندفاعة قادرة على تغيير وضع المدينة ومحيطها. وتكرار الاشتباكات من دون انتقال واضح إلى مرحلة جديدة يجعل هذه الجبهات جزءاً من تثبيت خطوط القوة واستنزاف الطرف المقابل، أكثر مما يجعلها مدخلاً لحسم قريب.

أما على الساحل، فتتركز القيمة الاستراتيجية حول المخا وذوباب ومداخل باب المندب. هنا تقع إحدى أهم حصائل الجولة في القراءة التي تنطلق من المكاسب التي حققها أنصار الله، تعزيز موقعهم المتصل بالبحر الأحمر، وفرض أعباء إضافية على خصومهم لاستعادة المواقع أو الحد من أثرها. وإذا انتهت الاندفاعة المضادة من دون إزاحتهم عن هذه المعادلة، فإن استمرار القصف والاشتباك لا يلغي النتيجة. فيصبح الهدف احتواء مكاسب قائمة، بعدما كان الرهان إخراج أنصار الله من موقع التأثير البحري كله.

هذه هي المسافة بين حرب الاستنزاف والحرب ذات الوظيفة الإقليمية والدولية. لم يكن الرهان الكبير متعلقاً بالتقدم في جبهة تعز أو استعادة موقع ساحلي منفرد. كان المطلوب إحداث تحول يزيح أنصار الله عن البحر الأحمر ويخرجهم من صنعاء، بما يبدّل موقع اليمن في صراع المنطقة. وكان نجاح هذا التحول سيخفف الضغط على السعودية، ويغيّر حسابات أمن الملاحة، ويضعف إحدى أوراق القوة التي تؤثر في ميزان المواجهة مع إيران.

لكن الجولة أظهرت، وفق هذه القراءة، محدودية قدرة السعودية والقوى اليمنية المتحالفة معها على تحقيق تحول بهذا الحجم. فالقدرة على شن الغارات وإدامة الاشتباكات تختلف عن القدرة على إسقاط سلطة متماسكة وانتزاع مجالها الاستراتيجي. وما دام الهدف الأكبر قد ظهر فوق طاقة الحرب بأدواتها المتاحة، فإن تمديد القتال لا يجعل الوصول إليه أقرب تلقائياً. يحتاج تغيير هذه النتيجة إلى تدخل نوعي يضيف قدرة جديدة، لا إلى إعادة استخدام الأدوات نفسها على أمل أن تنتج حصيلة مختلفة.

من هنا تفقد العودة إلى الاستنزاف قيمتها الإقليمية والدولية التي عُلّقت على الجولة. تبقى للحرب نتائج محلية وكلفة بشرية ومادية، وتبقى المواقع والطرق مهمة للمتقاتلين والسكان، لكن التقدم بضعة كيلومترات لا يصنع التحول الذي انتظرته واشنطن وحلفاؤها. معيار الرهان كان إخراج أنصار الله من المعادلة البحرية والسياسية، وليس تحسين خط تماس. وعندما يتعذر بلوغ هذا المعيار، تتراجع صلاحية الحرب اليمنية كأداة لتغيير شروط التفاوض الإقليمي.

بهذا المعنى تنتهي الجولة بسلة مكاسب لأنصار الله، مكاسب ميدانية، وتثبيت للحضور عند البحر، وإحباط لمحاولة الإطاحة بهم، وتعزيز للوزن التفاوضي. لا تعفيهم هذه الحصيلة من أعباء الاستنزاف، لكنها تجعلهم يدخلون مرحلته من موقع مختلف، بينما يعود خصومهم إليه بعدما انخفض سقف ما يستطيعون تحقيقه. ويصبح السؤال لدى القوى الدولية والإقليمية عن جدوى مواصلة حرب فقدت القدرة على إنتاج النتيجة التي منحتها قيمتها.

المرحلة المقبلة، ما لم يظهر عامل خارجي كبير، تبدو مرحلة استنزاف فوق ميزان كشفت الجولة حدوده. وما تعذر تحقيقه في ذروة الاندفاعة يصعب تحقيقه بعد انحسارها. لذلك لا تقاس وجهة الحرب بعدد الغارات أو بتبدّل موضعي على الخريطة، بل بما إذا كانت تستطيع مجدداً تهديد وجود أنصار الله في صنعاء وموقعهم على البحر الأحمر. وحتى يظهر ما يغيّر هذا التقدير، يبقى استمرار الحرب أقرب إلى تأجيل التسوية منه إلى صناعة شروط جديدة لها.

You might also like