يوم الصمود الوطني: من فشل الشرق الأوسط الجديد إلى أطروحة الهزيمة على مضيقين.
إب نيوز ٢٦ مارس
عدنان عبدالله الجنيد.
لم يعد الحديث عن اليمن في ذكرى الحادي عشر من مارس مجرد استعراض لسردية الضحية التي واجهت عدواناً، بل تحول إلى قراءة في مرحلة انهيار المشاريع الإمبراطورية الكبرى.
فما أراده الاستكبار العالمي – ممثلاً بأمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني – من عدوان عام 2015، هو تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مختبر أخير لولادة “شرق أوسط جديد” منزوع السيادة، مسخّر بالكامل لحماية أمن الكيان الصهيوني وتأمين المصالح الغربية.
لكن صمود اليمن، الذي نعاه قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) كمشروع هزيمة، لم يكن مجرد صمود دفاعي، بل كان نقطة تحول استراتيجي حوّلت اليمن إلى معادل إقليمي يعيد تشكيل قواعد اللعبة.
كسر “الهندسة القانونية” وفشل التبعية الوظيفية:
لقد راهنت بريطانيا، المهندس التاريخي للاستعمار، على إعادة إنتاج نموذج الوصاية عبر مجلس الأمن وآلية البند السابع، لكنها فشلت ميدانياً كما فشلت سياسياً.
هذا الفشل أسقط الأقنعة عن الأنظمة الإقليمية التي لعبت دور الأدوات التنفيذية – وفي مقدمتها النظام السعودي الذي تحول إلى مجرد مأمور لسفراء الاستكبار.
وعي الشعب اليمني كشف أن هؤلاء ليسوا سوى أبقار حلوب لخدمة المشروع الصهيوني، وأثبت أن السيادة الحقيقية لا تُمنح في دهاليز الأمم المتحدة، بل تُنتزع في الميدان، حيث بلغت خسائر قطاع النفط اليمني وحده أكثر من 57 مليار دولار في ظل غطاء دولي لنهب الثروات.
التكامل الاستراتيجي بين اليمن وإيران.. هندسة بحرية تغيّر المعادلة:
لا يقوم التكامل بين صنعاء وطهران على التحالف السياسي فقط، بل على هندسة توزيع الأدوار البحرية التي تشكل قلقاً وجودياً للاستكبار العالمي. فبينما تُحكم إيران قبضتها على مضيق هرمز – الممر الحيوي لـ 20% من النفط العالمي – يمسك اليمن بمضيق باب المندب، شريان التجارة بين آسيا وأوروبا.
هذا التوزيع الجغرافي للتهديد يحوّل البحر الأحمر والخليج العربي إلى مسرح احتواء متكامل، حيث يصبح أي تصعيد ضد أحدهما تعطيلاً مزدوجاً لاقتصادات العالم.
هذا التكامل هو الذي جعل من المستحيل على الاستكبار تحقيق أمن إسرائيلي منفصل عن معادلات الردع الإقليمية، وأوجد ما يشبه غرفة عمليات جغرافية تربط هرمز بباب المندب، وتحوّل اليمن من جبهة محلية إلى شريك في رسم استراتيجية الردع المشترك.
إن التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن مجرد تنسيق سياسي، بل التحام في خندق الكرامة؛ حيث كانت إيران الدولة الوحيدة التي وقفت رسمياً مع مظلومية اليمن، وهذا الترابط الاستراتيجي هو الذي حوّل الصمود اليمني إلى باب فرج لشعوب المنطقة، كما وصفه سيد المقاومة الشهيد حسن نصر الله،رضوان الله عليه.
غزة.. معركة كسرت هيبة ثلاثي الشر وأفشلت المشروع بحرياً:
إن جوهر التحول الاستراتيجي يتجلى في معركة الإسناد لغزة، حيث انتقل اليمن من مرحلة الدفاع عن صنعاء إلى مرحلة فرض الحصار البحري على الكيان الصهيوني في البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي.
عسكرياً: العمليات النوعية في أم الرشراش، والصواريخ الباليستية، والمسيّرات، حوّلت التهديد اليمني إلى واقع اقتصادي وعسكري أليم للكيان، وكسرت نظرية الأمن البحري المطلق التي كانت ترعاه القوات الأمريكية.
استراتيجياً: لكن الأعمق مما يقلق الاستكبار العالمي هو أن اليمن لم يعد يستخدم البحر الأحمر كورقة ضغط مرحلية، بل حوّله إلى معادلة هيكلية في الاقتصاد العالمي.
فبينما كانت واشنطن تعتقد أن حماية الملاحة البحرية تكفي لاستمرار المشروع، أثبتت العمليات اليمنية أن التأمين البحري بات مستحيلاً دون تفاهم مع المحور الذي يسيطر على طرفي المسرح البحري (هرمز وباب المندب).
أثبت اليمن أنه ليس على الحيادحين: يتعلق الأمر بالإسلام والمقدسات، موجهاً بوصلة الأمة نحو عدوها الحقيقي، ومصححاً المسار الثقافي المغلوط الذي حاول تدجين الشعوب العربية.
لماذا فشل “الشرق الأوسط الجديد” فشلاً نهائياً؟
إن المشروع الذي صُمم ليكون شرق أوسط جديد تحت الوصاية الأمريكية – القائم على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وتفكيك محاور المقاومة – لم يصطدم فقط بالوعي اليماني، بل انكسر على قاعدة جيوسياسية جديدة: استحالة الفصل بين جبهات المقاومة.
فما جرى في اليمن أثبت أن أي مشروع إقليمي لا يمكن أن يُستكمل ما دامت هناك جبهة مفتوحة تربط بين هرمز وباب المندب.
هذا الفشل النهائي للمشروع تجلى في ثلاث قناعات انهارت لدى صانع القرار الغربي:
1- استعادة البحار: البحر الأحمر عاد إلى الحاضنة العربية والإسلامية الحقيقية، بعيداً عن العربدة الأمريكية.
2- سقوط صفقة القرن: التي دفنها اليمنيون تحت ركام غارات العدوان بوعيهم وجهادهم.
3- تآكل الهيمنة: تحول اليمن إلى مركز ثقل استراتيجي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية قادمة.
الخلاصة :
إن ما تحقق في اليمن لم يعد مجرد صمود دفاعي، بل تحول إلى منظومة ردع إقليمية قائمة على تكامل جغرافي بحري غير مسبوق.
فبينما راهن الاستكبار العالمي على إعادة إنتاج المنطقة وفق رؤيته (شرق أوسط جديد)، أثبتت معادلة صنعاء – طهران – غزة أن أي مشروع لا يمر عبر باب المندب وهرمز هو مشروع غير قابل للتنفيذ.
وهنا يكمن الإرباك الأعمق للقوى الكبرى: أن اليمن، الذي أريد له أن يكون مختبراً للمشروع الجديد، أصبح هو من يكتب ملامح شرق أوسط لا يقرأ إلا بلغة القوة والتكرار المحوري.
كما أكد قائد الثورةيخفظه الله ، فإن المواجهة اليوم مباشرة مع ثلاثي الشر، واليمن لن يتردد في أداء واجبه الجهادي حتى يرفع الحصار عن غزة وتتحرر الأمة من قيود الاستكبار.
إن الصمود الذي بدأ في مارس، هو الذي يصنع اليوم انتصارات القدس، وهو الذي سيكتب الفصل الأخير من غطرسة المستكبرين.