ثلاثة إرادات ونظام واحد.. من يملك القدرة على حسم الصراع في الشرق الأوسط..؟!!
إب نيوز 31 أكتوبر
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️ المقدمة:
تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة سيولة إستراتيجية غير مسبوقة، مردها تآكل منظومة سايكس-بيكو الضمنية (تآكل ركيزة الضامن الخارجي، يقابلها إزدهار حرية إنتقال السلاح بين الدول الإقليمية).
ولم يعد هذا التآكل مقتصراً على ضعف الدولة القطرية أو المحافظة، بل تجاوزها إلى انهيار العقد الضمني غير المكتوب الذي إلتزم به الإقليم لقرن كامل، والمتمثل في أحتكار الدولة للقوة المشروعة داخل حدودها، ووجود قوة عظمى ضامنة لإستقرار تلك الحدود. إن انهيار هاتين الركيزتين أفرز فراغاً إستراتيجياً تتسابق على ملئه ثلاثة مشاريع كبرى في المنطقة.
أولاً: المشروع الغربي – مشروع إدارة الفوضى.
يقوم هذا المشروع بقيادة الولايات المتحدة على عقيدة التوازن من بعيد «دعم السعودية ضد إيران، ودعم اسرائيل ضد الجميع»
ومن أهم أهدافه الاستراتيجية؛
1️⃣. ضمان أمن تدفقات الطاقة والممرات البحرية.
2️⃣. الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل.
3️⃣. منع بروز قوة مهيمنة إقليمية.
ويعتمد بالدرجة الأساس على سلاح العقوبات الإقتصادية كأداة ضبط بنيوي، وشبكة القواعد الأمريكية المتقدمة، والتنظيمات الأرهابية المتطرفة، لأدارة الفوضى وحروب الوكالة الأقليمية،
ويعاني هذا المشروع من مفارقة القوة المنهكة؛ فهو يمتلك قدرة المنع، لكنه فقد قدرة البناء، مثلما حصل في أفغانستان والعراق.
ثانياً: المشروع السني – مشروع إستعادة المركز الجيوسياسي.
هو مشروع ثنائي القطبية، يتنافس فيه النموذج السعودي الذي يريد المحافظة على الوضع الأقليمي القائم، والنموذج التركي الساعي لتغييرات أقليمية مرتبطة بالحدود الجغرافية والأنظمة السياسية.
ومن أهم أهداف هذا المشروع؛
1️⃣. أحتواء التمدد الإيراني.
2️⃣. تفكيك دول محور المقاومة التي تهدد شرعية الدولة المحافظة،
3️⃣. إعادة التموضع في نظام ما بعد النفط.
ومن أدواته، توظيف الريع النفطي، والشرعية الدينية، ودبلوماسية التطبيع، كأداة لإعادة هندسة التحالفات.
ويمر هذا المشروع بمأزق الإنقسام الأيديولوجي الحاد بين قطبيه، يمنعه من التحول إلى كتلة إستراتيجية متماسكة.
ثالثاً: المشروع الشيعي – مشروع المقاومة والبناء في ظل حصار الإقتصادي.
يُعد هذا المشروع المتمحور حول محور طهران وبغداد وبيروت وصنعاء، الأكثر تماسكاً من حيث العقيدة الإستراتيجية والانضباط التنظيمي.
وتفسر محدودية قدرته البنائية ليس كخلل ذاتي، بل كنتاج لمتغيرين رئيسين:
1️⃣. متغير الصراعات
المفروضة عليه، حيث خاض هذا المحور حرباً وجودية متواصلة منذ عام 1979، بدءاً بالحرب العراقية-الإيرانية، مروراً بمنظومة العقوبات والحصار الشامل، وصولاً إلى الحروب الكونية على طهران وبغداد وصنعاء وبيروت، وقد أدت هذه الحروب إلى استنزاف فائض القوة لديه وتوجيهه نحو البقاء بدلاً من التنمية.
2️⃣. متغير التحالف الموضوعي المضاد، حيث تشكل تحالف أحتواء غير معلن بين المشروعين الغربي والسني، تكاملت فيه الأداة العسكرية والتكنولوجية الغربية مع الأداة المالية والإعلامية السنية، مما خلق بيئة إقليمية ودولية طاردة له.
وعلى الرغم من ذلك كله، يُعد هذا المشروع من أنظف المشاريع الإقليمية، وفقاً لثلاثة معايير تحليلية تقوم على نظافة التمويل (الاعتماد على الإقتصاد الذاتي في ظل الحصار مقابل اقتصاد الريع المرتبط بالغرب)، ونظافة الخطاب (خطاب مقاوم مناهض للهيمنة مقابل خطاب تطبيعي) ونظافة الأداة (الإستثمار في بناء الإنسان العقائدي المنضبط مقابل شراء الولاءات وتوظيف الجماعات التكفيرية).
وعليه، فإن أزمته هي أزمة بيئة حاضنة، وليست أزمة مشروع.
▪️الخاتمة الأستنتاجية:
المشاريع الثلاثة الكبرى في المنطقة، لا تمتلك مقومات الهيمنة الأحادية الشاملة. فالمشروع الغربي يملك قدرة المنع، والمشروع السني يملك وفرة الموارد، والمشروع الشيعي يملك تماسك الإرادة ونظافة الأداة.
وبالتالي، فإن النظام الإقليمي القادم لن يكون نتاج انتصار مشروع على آخر، بل سيكون نظاماً هجيناً قائماً على توازن ”العجز عن الحسم المطلق“ وبنفس هذا السياق، ستكون هناك بعض الدول ذات القدرة على المناورة المرنة بين المشاريع الثلاثة، وفي مقدمتها العراق (أن أستمر النمط الحكومي كما هو سائد حالياً) هي الأكثر قدرة على البقاء وإعادة تعريف دورها الوظيفي من ضحية لهذا التوازن لمهندس له.
وبكيف الله.