التحالف البحري الجديد.. هل تكرر السعودية أخطاء «عاصفة الحزم»؟
إب نيوز 5 أغسطس
محمد صالح حاتم
في السادس والعشرين من مارس 2015، أعلنت السعودية إطلاق عملية عسكرية عاصفة الحزم على رأس تحالف عسكري ضم عدداً كبيراً من الدول العربية والإسلامية، تحت شعارات عدة، أبرزها: إعادة الشرعية إلى اليمن، وحماية أمن المنطقة، وإنهاء سيطرة جماعة أنصار الله على العاصمة صنعاء. وقد رُوِّج آنذاك للتحالف باعتباره قادراً على حسم المعركة خلال أسبوعين وتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية.
غير أن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً؛ فبعد أكثر من أحد عشر عاماً، لم تتحقق الأهداف التي أعلنها التحالف، بينما خلفت الحرب آثاراً إنسانية واقتصادية كارثية، تمثلت في سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وتدمير البنية التحتية في اليمن، وتعميق الأزمة الإنسانية، وفشل التحالف في تحقيق أهدافه، في الوقت الذي تكبدت فيه الدول المشاركة، وفي مقدمتها السعودية، أعباءً مالية وأمنية وخسائر اقتصادية كبيرة، وهزيمة عسكرية كبيرة.
واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مع إعلان السعودية تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وذلك عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حصار بحري على السعودية، رداً على استمرار الحصار على الشعب اليمني منذ أحد عشر عاماً، وتهرب التحالف من تنفيذ اتفاق الهدنة. وهذا التحالف، الذي تتولى السعودية قيادته وتستضيف مقره الرئيسي، يضم في مرحلته الأولى أربع عشرة دولة، هي: السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، وتركيا، وباكستان، ومصر، والأردن، واليمن، والسودان، وجيبوتي، والصومال، وبنغلاديش، ونيجيريا.
ووفق ما أعلنته الرياض، يهدف هذا التحالف إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وحماية المصالح البحرية المشتركة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، باعتباره إطاراً دفاعياً دولياً مفتوحاً للتعاون البحري. هذا في الظاهر، أما الهدف الخفي فهو استمرار فرض الحصار على اليمن، بل وشن حرب عسكرية جديدة على صنعاء، وكأن أطراف التحالف لم يستفيدوا من دروس الماضي.
إن إعلان التحالف الجديد يثير تساؤلات مشروعة؛ فكما لم تحقق عاصفة الحزم أهدافها في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة اليمنية لا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، فما بالنا اليوم وقد أصبحت تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وصواريخ فرط صوتية، وطائرات مسيرة؟ فإن عدد الدول المنضوية تحت أي تحالف جديد لا يمثل، بحد ذاته، ضمانةً للنجاح؛ فإدارة الصراعات لا تُقاس بحجم البيانات السياسية ولا بعدد الأعلام المشاركة، وإنما بمشروعية الأهداف، ومصداقية التحالفات، والحكمة في إدارة الأزمات. وتجربة عاصفة الحزم تؤكد أن التحالفات التي تُبنى على الخيار العسكري وحده، وتُبنى على باطل، وتسعى للهيمنة على الشعوب، واستبعادهم، ونهب ثرواتها، لا تحقق أهدافها، ولا تحقق الأمن والاستقرار، بل تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات، وتوسيع دائرة الخسائر البشرية والاقتصادية، وتكبيد أطرافها أثماناً باهظة. ولذلك، فإن أي تحالف جديد يعيد إنتاج النهج ذاته.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب لا تصنع سلاماً دائماً، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل باحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والعمل بجدية لتحقيق سلام شامل. فهل تدرك السعودية عواقب هذا التحالف؟ أم أنها تسعى إلى الانزلاق نحو مسارات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتأجيج الصراع، الذي لا يخدم في نهاية المطاف سوى الأعداء: أمريكا وإسرائيل؟
إننا أمام لحظة تستوجب تحكيم العقل والمنطق، وتغليب لغة السلام على لغة السلاح؛ فالمنطقة اليوم لا تحتمل إشعال حرب أخرى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لا سيما أن الاقتصاد العالمي قد خسر الكثير بالفعل نتيجة الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، إن استقرار الممرات المائية هو شريان حياة لا يصح المغامرة به، ومن الحكمة البحث عن مخارج سياسية تحفظ الحقوق، وتجنيب المنطقة ويلات انهيار اقتصادي وأمني قد لا تُحمد عقباه.