مقاربة إستراتيجية لفصل المسار بين بغداد وطهران، من السيادة المزعومة إلى التبعية المركبة للهيمنة الأمريكية..!!

إب نيوز ٢٦ سبتمبر

غيث العبيدي: كاتب عراقي مستقل.

▪️ المقدمة :

تهدف هذه الورقة إلى تفكيك الخطاب السياسي والإعلامي لمفهوم فصل المسار بين بغداد وطهران وسياسة غلق الأجواء والمنافذ الحدودية، وتقرأهما كأداة من أدوات الحرب الهجينة الأمريكية الهادفة إلى تفكيك محور المقاومة. حيث تنطلق من فرضية أن وحدة الجغرافيا السياسية بين إيران والعراق هي شرط موضوعي لأستمرار التوازن الإستراتيجي في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.

▪️أولاً : الإطار المفاهيمي لوحدة المسار.

في أدبيات محور المقاومة لا ينظر إلى العلاقة بين بغداد وطهران كعلاقة ثنائية عابرة بين دولتين، بل كوحدة مسار إستراتيجية فرضتها الجغرافيا والتاريخ والتهديد المشترك.

هذه الوحدة تأسست بعد عام 2003، وتعمقت بعد عام 2014، عندما إنهارت الحدود المصطنعة أمام تهديد تنظيم داعش، ومن هذا المنظور فإن فصل المسار ليس إجراءآ إدارياً، بل هو تفكيك لمجال أمني واحد، يمتد من شرق إيران إلى البحر المتوسط، وتفكيكه يعني خلق فراغ إستراتيجي سيملأه حتماً النفوذ الأمريكي.

▪️ثانياً : قراءة نقدية لمفهوم السيادة في خطاب فصل المسار.

يستخدم خطاب فصل المسار مفهوم السيادة العراقية كمدخل لتبرير القطيعة مع إيران. وتجادل هذه الورقة بأن هذا الإستخدام أنتقائي ومجتزأ. فالسيادة لا يمكن أن تختزل في العلاقة مع طهران فقط، بينما الأجواء العراقية مفتوحة للطيران الحربي الأمريكي والتركي، والإسرائيلي والقواعد الأمريكية باقية، والقرار الإقتصادي مرهون بالبنك الفيدرالي الأمريكي فيما يخص عائدات النفط. إن السيادة الحقيقية لا تتحقق بقطع الجسر البري والجوي مع إيران، بل بقطع التبعية للمنظومة المالية والأمنية الأمريكية. وبالتالي فإن الدعوة لفصل المسار عن إيران مع إبقاء نفس هذا المسار مفتوحاً مع واشنطن هي ليست سيادة، بل إعادة تموضع ضمن المحور الآخر.

▪️ثالثاً : غلق الأجواء والمنافذ كأداة للحرب الهجينة.

أن سياسة غلق الأجواء والمنافذ هو تطبيق عملي لقانون قيصر والعقوبات الأمريكية، ولكن بأدوات عراقية داخلية. فعلى المستوى الجوي، إن منع الطيران الإيراني المدني من الهبوط في مطار بغداد بحج مختلفة، يهدف إلى قطع الجسر الجوي الذي يمثل خط إمداد إستراتيجي لكل محور المقاومة، بينما لا يطبق نفس المعيار على الشحنات العسكرية الأمريكية المتدفقة يومياً من والى الغراق. وعلى المستوى البري، فإن التركيز على المعابر الحدودية لأي سبب كان، يهدف الى قطع طريق طهران بغداد دمشق بيروت، وهو الطريق الذي أفشل مشروع داعش وأسقط مشروع المنطقة الأمريكية في الشرق الأوسط. وغلق هذه المنافذ لا يستعيد موارد الدولة كما يزعمون، بل يحرم محور المقاومة من ميزة الاتصال البري المباشر ويحول العراق إلى جزيرة معزولة محاصرة بالضغوط الخليجية.

▪️رابعاً : المصالح الإستراتيجية لوحدة المسار بالنسبة للعراق.

أن بقاء العراق ضمن وحدة المسار يحقق له أربع مصالح استراتيجية لا يمكن تعويضها إطلاقاً.

1️⃣ المصلحة الأمنية، حيث أثبتت التجربة أن إيران هي الحليف الوحيد المستعد للتدخل المباشر عند إنهيار الحدود المصطنعة بين العراق وجيرانه كما حدث في 2014.

2️⃣ المصلحة الإقتصادية، حيث يمثل الغاز والكهرباء الإيراني حاجة بنيوية لا يمكن تعويضها بالربط الخليجي المؤجل والمشروط سياسياً.

 3️⃣ المصلحة الجيوسياسية، التحالف مع إيران يمنح العراق ثقلاً تفاوضياً أمام تركيا في ملف المياه، وأمام الخليج في ملف النفط.

4️⃣ مصلحة الردع، حيث إن أرتباط العراق بمحور يملك قدرات صاروخية ومسيرات تحد من تكرار الإعتداءات الخارجية عليه.

▪️الخاتمة :

ونخلص إلى أن فصل المسار وغلق الأجواء والمنافذ ليس مشروعاً عراقياً خالصاً، بل هو ترجمة لإستراتيجية الاحتواء الأمريكية لإيران. وإن أي محاولة لعزل بغداد عن طهران ستؤدي موضوعياً إلى إضعاف بغداد نفسها، وتحويلها من دولة محورية في محور المقاومة إلى دولة هامشية في المحور الخليجي الأمريكي.

إن الحفاظ على وحدة المسار هو الضمانة الوحيدة لبقاء العراق قوياً موحداً وقادراً على حماية سيادته الحقيقية وليس الشكلية.

وبكيف الله.

You might also like