تعز.. من منارة الحالمين إلى غربة اللون الدخيل
إب نيوز 31 أكتوبر
دينا الرميمة
كحكاية الياسمين التي لا تموت، والقصيدة الأولى التي تهجأناها حبّاً، وتفاخرنا بنبضنا الأخضر في عروقها، وقلاعها التي لم تولد لتنحني للغرباء وحصون ثابتة القيم والمبادئ ، أرض كان العقل فيها هو الحاكم، والفن هو الهوية، والتعايش هو الهواء الذي نتنفسه. في حاراتها القديمة، وعلى سفوح جبالها، كبرنا ونحن نفاخر الدنيا بالانتماء إليها وإلى شوارع الحالمين التي عمدنا عليها اولى خطواتنا في هذه الحياة وفيها تعلمنا ان حب الوطن من الإيمان،
هي تعز ومن غيرها حين كانت مهد للصوفية السمحة، للموسيقى التي تعانق الضباب، وللعلم الذي كان مقدساً كصلاة، وكانت الحاضنة لكل فكرة حرة،
والملاذ الآمن لكل قلم وكتاب، ومحرابا للوعي تمنحه زاداً يومياً لكل عابر،حتى اعتبرها الكثير من أبناء يمننا الحبيب رئة اليمن الثقافية، وحسبوا ثقافتها جينات متجذرة في طينها وتاريخها لا مجرد شعارات،
لم تكن وطنيتها يوما محل شك ولم يخيل إلى ذهن أحد إن الهوية فيها ستكون ذات يوم سيف مسلط وأن المذهبية ستكون مقياس للحياة عليها ،حسبنا مناعتها صلبة وانه لا يمكن يصيبها فيروس المناطقية ولا الأفكار المشوهة للروح الحضارية التي غزت معظم دولنا العربية، لكن بعض الظن أثم،
فعلى ذات غفلة من الزمن والوجع معا تفاجأنا بها وقد فتحت أبوابها لغثاء السيل سبيلا وخفافيش الظلام الذي صدروا من على منابرها أحاديث بن تيمية وفتاوي بن باز و البسوا شوارعها رداء دخيل، صُبغ بلون وفكر متطرفين لا يشبهان طينتها ولا تاريخها، بدلا ملامحها و صبغاها بلونٍ معتم، ، يكره الحياة ويسعى لتكفير الجمال وبدل نبرة التسامح بخطاب غريب على مسامعنا، وصارت الساحات التي كانت تضج بالهتافات الوطنية والقصائد المتمردة، مسرحاً لأفكار متشددة تحاول خنق أنفاس المدينة واغتيال روحها الثقافية الطاهرة.
تلك الثقافة التي كانت سلاحاً لمواجهة الجهل، رُهنت لخدمة مصالح ضيقة وجماعات جعلت من الدين والتطرف واجهة لمكاسبها. غُيب الوعي بوعي زائف، وصار الارتزاق عقيدة، والتطرف أداة لترهيب كل من يحمل في قلبه حبًا صادقًا لتراب هذا الوطن ودون مقابل.لعبوا بالمسميات واصبح المتمرد عليهم هو المارق الخائن، وبعد أن كانت تعز الحضن الدافئ الذي يتسع لكل الأحرار، أصبحت مدينة طاردة لأبنائها الشرفاء، تضيق ذرعاً بكل صوت ينتقد أو يرفض الانصياع لرايات السواد الطارئة. إن إلباس تعز هذا الثوب المتشدد هو طعنة في خاصرة انتمائنا، ومحاولة بائسة لطمس تاريخ من التنوير والتعايش.
واليوم ثمة من يتسائل في مرارة كيف لمدينة النور أن تستيقظ على عتمة التطرف؟ وكيف لليد التي كانت تحمل القلم أن تُجبر على رؤية رايات السواد؟
كيف تحولت قبلة المثقفين إلى سوق للمزايدات والشعارات المدفوعة؟ وكيف هان الوطن في عيون أبنائها ليصبح مجرد وسيلة للتكسب والارتزاق؟
موجع هو خذلان الأرض ونحن الموجوعون من ارضنا التي منحناها كل الحب والولاء وفجأة اصبحنا غرباء عليها دماؤنا أصبحت فيها مباحة وحياتنا عليها محرمة،
لكن الوجع الأكبر ليس في قوة الغرباء الذين مولوا كل ذلك العفن إليها، بل في خذلان القريب الذي باع القضية وخلع رداء الكرامة وتجند في صف عدوه يفتح حدود أرضه له كي يعبث فيها،
ورغم هذا القتاد الجاثم على صدر الشوارع والحارات، لازلت الأماني تراودنا ان يكون هذا التلون الطارئ عليها مجرد قشرة زائلة على جسدها، لا زالت ذرات التراب الأمل الأخير؛ أنها ستعود ذات يوم، فالأثواب المستعارة تسقط حتمًا، والارتزاق ينتهي بانتهاء التمويل,
وربما ماتمنيناه قد أوشك أن يصبح حقيقة و نحن نراها تكسر القيود وتتناثر من بين أصابع الخونة شبرا بشبر شوقا للحرية والعودة إلى حضن اليمن الأم ، ستعود تعز، وإن طال غيابها، لتلفظ السواد وتستعيد أحرارها وثوبها الوطني الأصيل الذي نسجه ابناؤها الشرفاء بدمائهم وعرقهم ومهما دارت علينا الخطوب.